التخطي إلى المحتوى

تؤكد فاتن صلاح سليمان، عضو هيئة خبراء التراث العربي واتحاد الأثريين، أن مدينة الإسكندرية لم تأتِ إلى الوجود بالصدفة، بل إن اختيار موقعها ارتبط بعوامل جغرافية واستراتيجية جعلتها لاحقًا مركزًا فريدًا للملاحة والتجارة في البحر المتوسط. وتشير الخبيرة إلى أن المدينة احتفظت منذ نشأتها بمكانة مميزة، وكانت محاطة بالأسوار، وتضم بوابات منظَّمة ساعدت على تنظيم الحركة وتحصين المدينة.

وتوضح فاتن صلاح أن الإسكندر الأكبر لفت انتباهه موقع منطقة كرموز، والتي كانت في ذلك الوقت قرية للصيادين. وبحسب ما تذكره الخبيرة، فقد رأى الإسكندر في الموقع إمكانات تؤهله لأن يتحول إلى مدينة كبرى تستوعب النشاط البحري وسهولة الوصول إلى الطرق التجارية. ومن هذا الاختيار، بدأت الإسكندرية في التوسع تدريجيًا لتصبح واحدة من أهم المرافئ في المنطقة.

وتؤكد الخبيرة أن من أبرز السمات التي ساعدت المدينة على التميز وجود ميناءين: ميناء شرقي وميناء غربي، وهو ما جعل الإسكندرية قادرة على استقبال السفن وتنظيم الحركة البحرية بما يخدم التجارة والاتصال بين الشرق والغرب. ويُعَد هذا التنظيم المزدوج للموانئ عاملًا محوريًا في ازدهار المدينة، إذ كان يتيح استقبال أعداد أكبر من السفن وتوزيع النشاط بما يقلل الازدحام ويزيد كفاءة الخدمات المرتبطة بالملاحة.

وعن الملامح العمرانية والاختلاف بين القديم والحديث، تشير فاتن صلاح إلى أن كورنيش الإسكندرية استغرق نحو عشر سنوات في إنشائه، بما يعكس اهتمام المدينة بتطوير الواجهة البحرية بصورة منظمة. كما تلفت إلى أن بعض الشوارع حافظت حتى اليوم على طابعها التاريخي، ومن بينها شارع فؤاد، الذي يُعد من أقدم شوارع المدينة ويُظهر استمرارية النسيج الحضري عبر العصور.

وتضيف الخبيرة أن فهم تاريخ اختيار الموقع يساعد على إدراك سبب تكرار أهمية الإسكندرية في الروايات التاريخية والحضارية؛ فالموقع الذي جمع بين قربه من البحر وملاءمته للنشاط البحري، إضافة إلى وجود موانئ متعددة وخطط تنظيم داخلية، جعل المدينة مؤهلة لتكون حلقة وصل تجارية وثقافية. وتؤكد أن الإسكندرية، منذ بداياتها، كانت مشروعًا حضريًا متكاملًا يقوم على تحويل قرية ساحلية إلى مركز بحري واقتصادي، مع الاهتمام بتحصين المدينة وتحديد بواباتها وتنظيم طرقها.

وفي سياق متصل، تبرز أهمية مناطق مثل كرموز كجزء من الخلفية الجغرافية التي ساعدت على تشكل المدينة، إذ كانت تمثل نقطة انطلاق طبيعية للأنشطة المرتبطة بالصيد والبحر قبل أن تتحول إلى قلب مشروع عمراني أوسع. وبذلك، يصبح اختيار موقع الإسكندر الأكبر خطوة مفصلية في تاريخ الإسكندرية، لا تقتصر على الجغرافيا فقط، بل تمتد إلى التخطيط العمراني وبناء البنية البحرية التي أسست لنهضة المدينة وأكدت حضورها بوصفها مركزًا للتجارة والملاحة عبر العصور.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *