تُعد ملحمة «الأوديسة» من أكثر الأعمال الأدبية قدرة على البقاء حيّة في الذاكرة الثقافية للبشر، إذ تشير قراءة خبراء تاريخ وفلسفة الفن المصري القديم إلى أن نجاحها لا يرتبط بعامل واحد، بل بمنظومة متكاملة من قوة السرد وإمكانات التأويل ومرونة إعادة التقديم عبر العصور. ويرى الدكتور عمر المعتز بالله، أستاذ تاريخ وفلسفة الفن المصري المصري القديم ورئيس مركز دراسات الهوية وحفظ التراث، أن استمرار حضور «الأوديسة» لنحو 3 آلاف عام يعود إلى طبيعة الحكاية نفسها، وإلى قدرة صناع الأعمال الفنية على تحويلها بما يناسب ذائقة كل عصر.
وأوضح خلال حديثه في برنامج «أنا وهو وهي» على قناة «صدى البلد» أن الملحمة تمتلك طبقات متعددة من الأبعاد الدرامية والتاريخية والأسطورية. فوجود هذا التعدد يجعل النص أشبه بـ«نص مفتوحًا» على التأويل، يسمح للباحثين والفنانين بإعادة قراءته أكثر من مرة، كل قراءة تكشف زاوية مختلفة من المعنى. ويمكن تقديم رحلة أوديسيوس بأشكال درامية متنوعة؛ إذ يمكن النظر إليها باعتبارها قصة رجل يلاحق حلم العودة إلى وطنه بعد سنوات طويلة من الحرب، أو باعتبارها رحلة إنسانية ونفسية عميقة تكشف ما يعتمل داخل الفرد تحت ضغط الغياب والخوف والحنين.
ولعل أبرز عناصر استمرار «الأوديسة» يكمن في أن أحداثها لا تتوقف عند السرد الظاهري، بل تمنح العمل قابلية للتحول إلى مرآة للصراعات التي يواجهها الإنسان في حياته. فبين الوحوش الأسطورية والجزر المعزولة والشخصيات الخرافية والمواقف الاستثنائية، تظهر معاني أعمق: كيف يتعامل الإنسان مع التجارب القاسية؟ وكيف يصارع شهواته ورغباته؟ وكيف يسيطر على قراراته عندما تتشعب الطرق؟ وحتى حين تتبدل المسارات وتختلف وسائل الوصول للهدف، يبقى جوهر الرحلة هو محاولة إعادة بناء الذات واستعادة التوازن.
ويؤكد المعتز بالله أن تعدد مستويات الملحمة هو أحد أهم أسباب قدرتها على جذب المتلقي وإعادة إثارة أسئلته. فالعمل لا يقدّم ترفًا سرديًا فحسب، بل يخلق مساحة للتفكير. كما أنه يظل مصدر إلهام لصناع الدراما في مختلف الثقافات، إضافة إلى كونه نصًا يُدرس في الجامعات حول العالم، ما يضمن استمرار تأثيره عبر الأجيال.
ومن زاوية إضافية تُثري فهم هذا الخلود، يمكن القول إن «الأوديسة» تجمع بين عناصر متشابكة تجعلها قابلة للمقارنة والتحويل الفني: فهي تقدم حبكة واضحة عن رحلة العودة، وفي الوقت نفسه تُسقِط عبر الأسطورة أسئلة إنسانية كبرى عن الذاكرة والهوية والوفاء والنجاة. كما أن طابعها الزمني مرن، يسمح بتقديمها في أعمال مسرحية وسينمائية وتلفزيونية بأساليب متنوعة، سواء بالتركيز على الإيقاع المغامر للرحلة أو بالتركيز على التحولات النفسية التي يمر بها البطل.
وبذلك، يصبح سر نجاح «الأوديسة» مفهومًا: قوة السرد التي تُبقي الحكاية مشتعلة، تعدد الطبقات الذي يحفّز التأويل، ومرونة الشكل التي تجعلها قابلة لإعادة الصياغة دائمًا. لذلك تستمر حتى بعد ثلاثة آلاف عام، ليس لأنها حكاية قديمة فحسب، بل لأنها تعالج—بطريقة درامية—قضايا ما زالت البشر يواجهونها يومًا بعد يوم: كيف نعود لأنفسنا؟ وكيف نحافظ على معنى الوطن داخلنا؟

التعليقات