أكد الدكتور عبد الرحيم ريحان، خبير الآثار، أن أعمال ترميم عدد كبير من المساجد الأثرية لم تقتصر على إصلاح المباني، بل أسهمت بشكل مباشر في حماية جزء جوهري من التراث المعماري والحضاري، لافتًا إلى أن حجم ما تحقق من إنجازات خلال تلك الأعمال يستحق التوقف عنده وإبرازه للناس باعتباره استثمارًا في ذاكرة المدن.
وأوضح ريحان في حديثه مع الإعلامية «لبنى عسل» ضمن برنامج «الحياة اليوم» على قناة «الحياة»، أن شارع المعز لدين الله الفاطمي يحظى بمكانة خاصة في الوعي التاريخي والمعماري، مشددًا على ضرورة استخدام الاسم الكامل للشارع وعدم اختصاره إلى «شارع المعز»، لأن «المعز» هو اسم الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، وهو ما يعكس دقة التوثيق التاريخي واحترام المعنى الحضاري الكامن وراء الأسماء.
ومن بين أبرز المعالم التي ترتبط بهذا الشارع، يتوقف ريحان عند جامع الأقمر بوصفه لوحة فنية معمارية فريدة. وأشار إلى أن المنطقة المحيطة بالجامع يمكن قراءتها كمساحة حضارية تعكس تلاقي الثقافات والأديان، حيث تتجاور عناصر عمرانية متعددة تعبر عن قدرة القاهرة التاريخية على استيعاب روافد مختلفة ضمن نسيج واحد.
وبيّن ريحان أن تسمية جامع الأقمر جاءت من طبيعة الأحجار البيضاء التي شُيدت بها واجهته. وهذه الأحجار، وفقًا لوصفه، كانت تساعد على عكس الضوء ليلًا بطريقة تشبه ضوء القمر، وهو ما منح الواجهة حضورًا بصريًا استثنائيًا. كما أضاف أن واجهة الجامع لا تكتفي بعنصر اللون واللمعان، بل تتضمن زخارف فنية تحمل سمات واضحة، من أبرزها عناصر على هيئة شموس تضفي على المكان طابعًا جماليًا مميزًا وتبرز مهارة الزخرفة في العمارة الإسلامية الفاطمية.
ولتعزيز فهم الدور الحضاري للجامع، أشار الخبير إلى أن قيمة هذا النوع من المساجد لا تقف عند الجانب التعبدي فقط، بل تمتد إلى كونها سجلًا بصريًا لتقنيات البناء والزخرفة في زمن إنشائها. كما أن ترميمها على نحو علمي يحافظ على تفاصيل الواجهة والسطوح ويحد من آثار التآكل والرطوبة والعوامل البيئية، بما يساعد على بقاء الرسالة الجمالية والتاريخية للمبنى حيّة للأجيال القادمة. وبذلك، يصبح الجامع الأقمر نموذجًا يجمع بين الدقة في التسمية والثراء البصري والأهمية التراثية التي تستحق الاهتمام والشرح المستمر للزوار والمهتمين بالتاريخ المعماري.

التعليقات