التخطي إلى المحتوى

يرى إيريك لوب، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة فلوريدا، أن التصريحات الأمريكية بشأن مضيق هرمز لا تعكس بالضرورة ما يحدث على الأرض، لافتًا إلى أن محدودية الخيارات العسكرية التي تتحدث عنها واشنطن داخل الأراضي الإيرانية تضعف—عمليًا—قدرتها على ضبط مسار التطورات في المنطقة. وفي تقديره، فإن ما يجري حول المضيق لا يُقرأ فقط بوصفه خلافًا عسكريًا مباشرًا، بل كاختبار متبادل للنوايا بين الولايات المتحدة وإيران، تترجم نتائجه في المقام الأول عبر حركة الملاحة وتواتر الحوادث المرتبطة بها.

تراجع ملموس في حركة السفن داخل المضيق

وأوضح لوب، في مداخلة عبر برنامج «منتصف النهار» على قناة «القاهرة الإخبارية» مع الإعلامية هاجر جلال، أن المواجهة الحالية تمر بمرحلة حساسة تُقاس فيها قدرة كل طرف على فرض سرديته وخلق وقائع ميدانية. وقال إن أعداد السفن التي تعبر مضيق هرمز انخفضت بشكل واضح مقارنة بالمستويات المعتادة، بما يعكس حالة من الحذر لدى شركات الشحن والناقلين الدوليين.

وأضاف أن تراجع الحركة جاء بالتزامن مع تعرض بعض السفن—ومنها سفن إماراتية—لهجمات، وهو ما دفع دولًا خليجية إلى إعلان مواقف إدانات متكررة واستدعاء تحذيرات تتعلق بأمن الملاحة. ووفقًا لقراءة لوب، فإن هذا التطور يعكس أن تهديدات الملاحة لم تعد مجرد ادعاءات إعلامية، بل أصبحت عنصرًا يؤثر مباشرة في خطط العبور والتأمين وتكلفة الشحن.

فجوة بين لغة التصريحات وواقع السيطرة

يرى أستاذ العلاقات الدولية أن الأحداث الأخيرة كشفت فجوة بين الخطاب الأمريكي والقدرة الفعلية على التحكم بمجرى التطورات في المضيق. ومن وجهة نظره، لا تبدو واشنطن صاحبة السيطرة الكاملة على ما يجري، في مقابل ذلك تمتلك إيران—ميدانيًا—أدوات أكثر تأثيرًا في تحديد وتيرة التصعيد وإدارة مخاطره على طرق التجارة.

ويُرجع لوب هذا التباين إلى أن مضيق هرمز ليس مجرد نقطة جغرافية، بل عقدة استراتيجية تمر عبرها شحنات الطاقة والسلع، ما يجعل أي اضطراب فيه ينعكس سريعًا على حسابات الأمن البحري والسياسات الإقليمية. وفي مثل هذه الحالات، تكون القدرة على فرض شروط الواقع أقل ارتباطًا بالتصريحات وأكثر ارتباطًا بإمكانية خلق تهديدات أو ردود فعل تقلل كلفة المخاطر على طرف وترفعها على طرف آخر.

تصريحات إيرانية حول عدم فتح المضيق وملفات تفاوض منفصلة

ضمن السياق ذاته، أشار لوب إلى تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي أكد أن طهران لا تتجه إلى فتح مضيق هرمز، موضحًا أن الاتصالات الجارية مع سلطنة عمان تتناول مسارًا تفاوضيًا منفصلًا عن ملف المضيق نفسه. وتُفهم هذه الرسالة—بحسب طرح لوب—كجزء من استراتيجية لإعادة تعريف حدود التفاوض، بحيث لا تتحول قضية المضيق إلى ورقة واحدة تُستخدم لتبادل الضغوط بشكل مباشر.

كما ذكر لوب أن إيران تؤكد عدم وجود مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة في الوقت الراهن، مشيرًا إلى أن قنوات التفاوض غير المباشر التي تحركت سابقًا عبر وسطاء، ومن بينهم باكستان وقطر، شهدت تقدمًا قبل أن تدخل مرحلة من الجمود.

هرمز اختبار لقدرة الطرفين على فرض الشروط

في قراءته النهائية، يرى لوب أن مضيق هرمز أصبح اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة واشنطن وطهران على ترجمة مواقفهما إلى نتائج ملموسة. فمع تراجع حركة الملاحة وارتفاع المخاوف من احتمال تمدد التصعيد إلى أزمة أوسع، تتعاظم آثار أي تطورات في المضيق على أمن الطاقة والتجارة العالمية.

ويعني ذلك أن المعادلة الحالية لا تقتصر على صراع مباشر بين قوتين، بل تشمل أيضًا حسابات دول إقليمية وشركات شحن ومستوى المخاطر الذي تضعه شركات التأمين، إضافة إلى تأثير ذلك على أسعار الطاقة وتدفقات التجارة الدولية. لذلك، تبدو المرحلة الحالية—كما يرى لوب—مفصلية في رسم حدود النفوذ، وتحديد من يملك القدرة الأكبر على التحكم بالخطوات القادمة دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

وفي ضوء استمرار تراجع حركة السفن وتزايد الاتهامات باستهداف الملاحة، يبقى السؤال الأبرز: هل ستنجح الأطراف في احتواء التصعيد عبر قنوات تواصل غير مباشرة، أم أن الواقع الميداني سيستمر في فرض قواعد جديدة على حساب التصريحات السياسية؟

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *