قال مهند رضوان، خبير العلاقات الدولية، إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدرك طبيعة مضيق هرمز بوصفه من أهم الممرات البحرية الضيقة عالميًا، لكنه في الوقت نفسه من المناطق التي يصعب تأمينها بالكامل أو فرض السيطرة العسكرية عليها على نحو مستمر. وأوضح أن مجرد رفع مستوى التهديد أو الإيحاء باستهداف السفن العابرة يمكن أن يخلق آثارًا اقتصادية كبيرة، حتى دون الوصول إلى سيطرة فعلية على المضيق.
وأشار رضوان خلال حديثه عبر شاشة «القاهرة الإخبارية» إلى أن كثيرًا من الناقلات العملاقة التي تعبر مضيق هرمز تمر أحيانًا وهي “فارغة” من حيث نوع الحمولة، ثم تخرج محمّلة بالنفط أو الأسمدة أو سلع أخرى بعد اكتمال عمليات التزود والتحميل في موانئ المنطقة. ولذلك فإن أي تعطّل في مسار العبور لا يقتصر على سفن محملة فقط، بل يمتد ليطال سلاسل الإمداد المرتبطة بالمرافئ وحركة الشحن عمومًا.
وبيّن أن هذه السفن تخضع لنظم تأمين بحري معقدة، وأن شركات التأمين لا تتحمل وحدها مخاطر التهديدات المتوقعة، بل تلجأ غالبًا إلى “إعادة التأمين” من خلال منظومة تقودها شركات إعادة تأمين كبرى تمتلك محافظ مخاطر ضخمة. وتعمل هذه الشركات على تسعير المخاطر بناءً على تقييمات تهديد فعلية أو متوقعة تشمل احتمال الهجمات، مخاطر احتجاز السفن، وتزايد المخاطر الأمنية في مسارات الملاحة.
## ارتفاع أسعار التأمين وإعادة التأمين
وأوضح خبير العلاقات الدولية أن شركات إعادة التأمين الكبرى تمثل تكتلات اقتصادية ضخمة، وبحجم ميزانيات يضاهي أحيانًا ميزانيات دول، واستشهد في هذا السياق بمؤسسات مثل مجموعة لويدز. وأضاف أن الإعلان عن نية استهداف أي سفينة تعبر مضيق هرمز—even على مستوى التصريحات—قد يؤدي إلى رفع فوري لتكاليف التأمين، لأن شركات التأمين تتعامل مع التهديد باعتباره “احتمالًا” قد يترجم إلى مخاطر فعلية خلال الرحلات القادمة.
## لماذا يكفي التهديد لرفع التكلفة؟
تعود حساسية قطاع التأمين لعدة أسباب: أولها أن المخاطر في البحار لا تُقاس فقط بوجود اشتباك مباشر، بل تتأثر أيضًا بعوامل مثل تواتر الإنذارات، وتغير مسارات السفن، ومستوى التوتر الإقليمي، وإمكانية استهداف أي سفينة ضمن نطاق جغرافي ضيق. ثانيها أن تسعير التأمين البحري يقوم على نماذج تعتمد على احتمالية وقوع الخطر والزمن المتوقع لتدهور الوضع، بما يعني أن التهديد قد ينعكس على الأسعار بسرعة.
وثالثها أن ارتفاع تكلفة التأمين لا يقتصر على شركات الشحن فقط، بل ينتقل تدريجيًا إلى تكلفة السلع نفسها عبر سلسلة التوريد، لأن شركات الشحن غالبًا ما تُدرج تكاليف التأمين في التسعير النهائي للرحلة أو في شروط العقود. ونتيجة لذلك قد ترتفع أسعار النفط والمنتجات المرتبطة به والمواد الكيميائية والأسمدة، خصوصًا إذا تزامنت الاضطرابات مع قيود لوجستية أو زيادة في مدة الرحلة.
## تهديد الملاحة: تأثير اقتصادي حتى دون سيطرة عسكرية
وتابع رضوان أن ارتفاع أسعار التأمين وإعادة التأمين إلى مستويات كبيرة قد يجعل عبور مضيق هرمز أقل جدوى اقتصاديًا للشركات، أو يفرض عليها زيادة احتياطيات السلامة وتعديل جداول الإبحار، بما يرفع زمن التسليم والتكاليف التشغيلية. وأكد أن السيطرة العسكرية على المضيق لا تمنح قيمة تلقائية إذا كانت التكلفة التأمينية لا تزال مرتفعة أو إذا ظل عنصر الخطر قائمًا في تقديرات السوق.
وبحسب تحليله، فإن التهديد وحده—حتى قبل تحقق أي عمل عدائي مباشر—كفيل بأن يغير سلوك شركات الشحن والتأمين معًا: شركات التأمين ترفع الأسعار أو تشدد الشروط، شركات الشحن تراجع جداولها ومساراتها، وتجار السلع يبدؤون بإعادة تسعير المخاطر في العقود المستقبلية. وهكذا يتحول مضيق هرمز إلى “مؤشر اقتصادي” سريع الاستجابة للتوترات، بما ينعكس على حركة الملاحة وعلى التكلفة الإجمالية لعمليات النقل.
## خريطة تأثير تمتد إلى السوق والقطاع المالي
كما يمكن أن يؤثر ارتفاع التكلفة التأمينية على تمويل عمليات الشحن، لأن البنوك ومقدمي التمويل قد يطلبون شروطًا أكثر تحفظًا عند زيادة المخاطر التشغيلية. كذلك قد تتأثر العقود طويلة الأجل عبر بنود تحوط أو مراجعات سعرية ترتبط ببيانات المخاطر الجيوسياسية. وفي المحصلة، يصبح تهديد مضيق هرمز عاملًا يرفع “سعر الخطر” في الأسواق المالية والتجارية، حتى في غياب سيطرة ميدانية.
وختم رضوان بالإشارة إلى أن فهم العلاقة بين التهديد والتكلفة التأمينية يساعد على تفسير لماذا يمكن لخطاب التهديد أن يترجم إلى آثار ملموسة على الملاحة والاقتصاد، دون الحاجة إلى السيطرة الفعلية على مضيق هرمز.

التعليقات