تؤكد تحليلات اقتصادية على أهمية توسيع التعاون بين مصر ودول مجموعة البريكس في مجال التجارة، خاصة مع استمرار تَصاعد التحديات التي يمر بها الاقتصاد العالمي وما يترتب عليها من آثار مباشرة على الأسعار والأسواق وسلاسل الإمداد. وفي هذا السياق، يشدد الدكتور نور ندا، أستاذ الاقتصاد بأكاديمية السادات للعلوم الإدارية، على أن تنويع مصادر الحصول على السلع الاستراتيجية يُعد خيارًا اقتصاديًا ضروريًا لضمان استقرار الإمدادات وتقليل مخاطر الاعتماد على طريق تجاري واحد أو على موردين محدودين.
ويأتي ملف القمح في مقدمة هذه الأولويات، نظرًا لحجمه وتأثيره المباشر في الأمن الغذائي. فبحسب ما أُشير إليه، تستورد مصر سنويًا قرابة 12 مليون طن من القمح والحبوب، في حين تصل احتياجاتها إلى نحو 24 مليون طن، ما يعني أن هناك فجوة استيراد كبيرة تتطلب استمرار البحث عن موردين وأسواق بديلة. ويؤكد الخبراء أن الاعتماد على الاستيراد لا يعني فقط السعي لتأمين الكميات المطلوبة، بل يستلزم أيضًا بناء شبكة توريد مرنة تضمن توافر المنتج وتقلل تقلبات الأسعار في مواجهة أي اضطرابات دولية.
كما تسلط التحديات المرتبطة بحركة التجارة العالمية الضوء على ضرورة إعادة تقييم مسارات الشحن ومصادر الاستيراد، ومن بينها ما يتعلق ببعض الممرات والموانئ مثل ميناء أوديسا الذي تؤثر عليه الظروف الجيوسياسية والأمنية. لذلك، يصبح توسيع التعامل التجاري مع دول البريكس—وبالأخص الهند وروسيا—رافدًا مهمًا لتنويع مصادر القمح وتقليل آثار التعثر أو الارتفاعات المفاجئة في تكاليف النقل.
ومن جهة أخرى، يُعد التوسع في استخدام العملات المحلية في التبادل التجاري مع دول البريكس خطوة داعمة لخفض الضغط على العملات الأجنبية. إذ يمكن أن يساهم هذا التوجه في تحسين كفاءة التبادل وتقليل تكاليف التحويلات، بما يساعد الاقتصاد المصري على مواجهة التقلبات التي قد تظهر في الأسواق العالمية. ويُنظر إلى ذلك أيضًا باعتباره جزءًا من مسار أوسع لتعزيز الاستقرار المالي وتعظيم الاستفادة من الشراكات الاقتصادية خارج نطاق النظام المالي التقليدي.
ولتعزيز أثر هذه الخطوات عمليًا، يمكن أن يتضمن التعاون المقترح مسارات متعددة، مثل: زيادة التعاقدات طويلة الأجل لضمان توفر الكميات، وتفعيل اتفاقيات توريد أكثر مرونة تسمح بتعديل مواعيد الشحن وفقًا للتغيرات في ظروف السوق، إضافة إلى تطوير آليات للتخزين وإدارة المخزون بما يدعم استقرار الإمدادات. كما تُعد الاستفادة من الخبرات اللوجستية لدول البريكس في مجالات النقل والتخزين عاملًا مهمًا لتقليل المخاطر المرتبطة بالزمن والتكاليف.
وفي المحصلة، تمثل فكرة تنويع مصادر استيراد القمح عبر تعزيز التعاون مع دول البريكس مسارًا يهدف إلى دعم الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي، من خلال تقليل الاعتماد على عدد محدود من الموردين أو الممرات التجارية، وتوسيع خيارات التمويل والتبادل بما يقلل آثار الاضطرابات العالمية على الاقتصاد المصري.

التعليقات