يرى أسامة جلال، خبير العلاقات الإنسانية والأسرية، أن ترك الأبناء دون توجيه أو متابعة تحت مبرر منحهم الحرية قد يعرّضهم لمخاطر حقيقية لا يملكون دائمًا خبرة كافية للتعامل معها بمفردهم. ويؤكد أن دور الأسرة لا يقتصر على الاستقلال وإعطاء مساحة للأبناء، بل يشمل أساسًا الحماية والرعاية والاطمئنان على سلامتهم، بما يحفظ لهم الأمان النفسي ويعزز قدرتهم على اتخاذ القرار.
## غياب المتابعة وراء المخاطر
ويشير جلال إلى أن “الحرية” تصبح غير منضبطة عندما تتحول إلى غياب كامل للمتابعة، خصوصًا خلال مراحل عمرية يكون فيها الطفل أو المراهق أكثر عرضة للتأثر بالبيئة المحيطة أو الوقوع في مواقف خطرة دون استيعاب كافٍ لنتائجها. فالتعامل مع ضغط الأصدقاء، أو الانخراط في سلوكيات غير آمنة، أو التعرض لمعلومات مضللة عبر الإنترنت، كلها تحديات قد تظهر دون سابق إنذار إذا غابت أسس الإشراف العائلي.
## دور التكنولوجيا: حماية لا تجسس
وخلال حديثه في برنامج «خط أحمر» الذي يقدمه الإعلامي هشام موسى على قناة «الحدث اليوم»، يوضح جلال أن التطور التكنولوجي وفر أدوات تساعد الأسرة على الاطمئنان، مثل تطبيقات تحديد الموقع. إلا أنه يؤكد أن استخدام هذه الأدوات لا يعني بالضرورة التجسس أو انتهاك الخصوصية؛ لأن الفرق الجوهري يكمن في الهدف وآلية الاستخدام.
ويشرح أن الأسرة تستطيع توظيف التكنولوجيا عند الحاجة—مثل التأكد من السلامة عند التأخر أو في ظروف غير معتادة—بدلًا من تحويل الأمر إلى مراقبة مستمرة أو تتبع دائم لكل حركة وتفصيل. كما يلفت إلى أن أي متابعة يفترض أن تأتي في إطار الاحترام والثقة، وأن تُقدّم للأبناء بوصفها وسيلة دعم وحماية لا كأداة للشك والسيطرة.
## التوازن بين الثقة والخصوصية
يشدد أسامة جلال على ضرورة إيجاد توازن واضح بين أمرين متكاملين: منح الأبناء الثقة واحترام خصوصيتهم، وفي الوقت نفسه القيام بدور الأسرة الطبيعي في الرعاية والحماية. فالثقة لا تعني ترك الباب مفتوحًا دون قواعد، والخصوصية لا تعني الانعزال عن الأسرة أو تجاهل المخاطر.
ولتعزيز هذا التوازن، يقترح خبراء العلاقات الأسرية—بما يتسق مع توجه جلال—إقرار “قواعد متابعة” داخلية بين الوالدين والأبناء، مثل الاتفاق على توقيتات التواصل، وحدود استخدام التطبيقات الرقمية، وطريقة التعامل مع أي طارئ. كما يُنصح بتفعيل الحوار بدلًا من المراقبة: سؤال الابن عن يومه ومحيطه دون اتهام، وتشجيعه على مشاركة القلق أو الحيرة بدل إخفائها خوفًا من العقاب.
## متابعة ذكية بدل رقابة خانقة
يمكن للأسرة أن تتبنى “متابعة ذكية” تقوم على الوقاية والتعليم:
– الاتفاق على آلية للتواصل في المواقف غير المعتادة (التأخر، الذهاب لمكان جديد، تغيير مفاجئ في الخطة).
– استخدام أدوات مثل تحديد الموقع عند الضرورة القصوى وبشكل متفق عليه.
– التركيز على توعية الأبناء بمخاطر الإنترنت والعلاقات غير الآمنة، وشرح كيفية حماية البيانات الشخصية.
– تعزيز استقلال تدريجي: كلما زادت مسؤولية الابن زادت مساحة الثقة وتقليل الإشراف.
في النهاية، يخلص أسامة جلال إلى أن المتابعة الأسرية حين تكون بهدف الحماية وتحت مظلة احترام الخصوصية تصبح عاملًا مساعدًا لتقليل المخاطر، أما إذا تحولت إلى مراقبة دائمة أو سيطرة قائمة على الشك، فقد تفقد الأسرة وظيفتها الحقيقية وتؤثر في علاقة الثقة بين الوالدين والأبناء.

التعليقات