التخطي إلى المحتوى

أكدت رانيا المارية، خبيرة الاقتصاد المجتمعي، أن العمل الحر لم يعد خيارًا هامشيًا، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في سوق العمل الحديث، خاصة مع التسارع التقني الذي غيّر طريقة التوظيف والإنتاج. وأشارت إلى أن الإنترنت والذكاء الاصطناعي فتحا آفاقًا واسعة أمام الشباب للعمل مع عملاء من مختلف دول العالم، دون التقيد بمكان أو وقت ثابت، ما يعزز فرص كسب الدخل ويقلل من حواجز الانضمام لسوق العمل.

## كيف يعيد الإنترنت والذكاء الاصطناعي تشكيل سوق العمل؟
خلال مداخلة هاتفية مع أحمد دياب ومحمد جوهر في برنامج «صباح البلد» على قناة «صدى البلد»، أوضحت المارية أن طبيعة سوق العمل تطورت بفعل التحول الرقمي، حيث أصبح بإمكان الشاب تقديم خدماته عبر منصات رقمية والوصول إلى عملاء خارج نطاقه الجغرافي. كما أن الأدوات الذكية لا تقتصر على تحسين الإنتاجية فقط، بل تساعد كذلك في تسريع التعلم وتنويع المهارات، من خلال دعم عمليات البحث، وكتابة المحتوى، والترجمة، وتحليل البيانات، وتصميم الخدمات بشكل أكثر كفاءة.

وبالتالي، فإن العمل الحر يرتبط اليوم بثلاثة عناصر متداخلة: المهارة، والقدرة على التعلم المستمر، والتنظيم الرقمي لإدارة الخدمات والتواصل مع العملاء.

## الاستثمار الحقيقي في الإنسان: التعلم المستمر وبناء المهارات
أكدت الخبيرة أن أهم استثمار خلال المرحلة الحالية يجب أن يتركز على الإنسان نفسه، عبر تطوير قدراته التعليمية والعملية وتعزيز ثقافة التعلم المستمر. فالقدرة على مواكبة المتغيرات تساعد الشباب على عدم الاكتفاء بمهارة واحدة، وتوسيع مجالاتهم لاحقًا بما يتوافق مع احتياجات السوق.

كما شددت على أهمية فهم طبيعة سوق العمل: كيف تتحول الطلبات بمرور الوقت، وأي المهارات الأكثر طلبًا في القطاعات الرقمية مثل التسويق، وإدارة صفحات التواصل، وخدمات التصميم، وإنتاج المحتوى.

## اكتشاف المهارات في سن مبكرة خطوة عملية
دعت الأسر إلى مساعدة الأبناء على اكتشاف مواهبهم وقدراتهم في سن مبكرة، مشيرة إلى أن هذا يمكن أن يبدأ بعمر 13 أو 15 عامًا. وقد تكون البداية في مجالات مثل الرسم، الطبخ، البيع والشراء، أو مهارات منظمة يمكن تحويلها لاحقًا إلى خدمات مدفوعة. ويُعد الاكتشاف المبكر مهمًا لأنه يتيح للطفل/المراهق تجربة عدة مسارات حتى يجد ما يناسبه، بدلًا من انتظار سن أكبر لاتخاذ قرار مهني.

وأضافت أن امتلاك مهارة حقيقية قد يتحول مع الوقت إلى مصدر دخل إضافي إلى جانب أي نشاط وظيفي أو دراسي، بما يتيح للشباب تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على مصدر واحد.

ومن المفيد كذلك أن يصاحب اكتشاف المهارة تدريب عملي تدريجي: مثل إتمام مهام صغيرة، بناء نماذج أعمال (Portfolio)، وتعلم أساسيات العرض والتسويق لنفس الخدمة.

## التدريب قبل العمل الرسمي: 16 و17 عامًا مرحلة تمهيدية
ترى المارية أن سن 16 و17 عامًا يمكن أن يمثل مرحلة تدريب واكتساب خبرة، مع وجود إشراف ومتابعة من الأسرة. ويمكّن هذا النهج الشباب من فهم الواقع المهني تدريجيًا: طبيعة العملاء، أساليب التعامل، الالتزام بالمواعيد، وفهم جودة الخدمة المطلوبة.

كما أشارت إلى أن التدريب المبكر لا يعني بالضرورة العمل بشكل كامل، بل يمكن أن يكون في صورة مشاريع قصيرة أو تدريب عملي جزئي أو تعاملات بسيطة تساعد على بناء الثقة بالنفس وتطوير المهارات.

## من 18 عامًا: دخول أكثر رسمية إلى سوق العمل
عند بلوغ سن 18 عامًا، يصبح الانتقال أكثر تنظيمًا ودخولًا لسوق العمل بصورة رسمية. وفي هذه المرحلة يبدأ الشاب في إدارة دخله بصورة أوسع، بما في ذلك التعامل مع التعاقدات وتنظيم الحقوق والالتزامات ضمن الأطر القانونية. ويؤكد ذلك على أن العمل الحر الناجح لا يعتمد على المهارة فقط، بل يعتمد كذلك على إدارة الأمور الإدارية والمالية بوعي.

## تأثير كورونا: لماذا برز العمل المرن؟
لفتت المارية إلى أن جائحة كورونا كشفت أهمية المرونة في سوق العمل، إذ اضطر كثيرون للاعتماد على الوسائل الرقمية والعمل عن بُعد. وقد ساهم ذلك في انتشار أنماط جديدة من العمل عبر الإنترنت.

كما شهدت تلك الفترة توسعًا في مجالات مثل صناعة المحتوى والعمل عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب صعود دور المؤثرين ومقدمي الخدمات داخل الاقتصاد الرقمي. ومع استمرار الطلب بعد الجائحة، بقيت هذه المجالات من أكثر المسارات التي تستوعب الشباب القادر على التعلم والانتقال السريع بين الأدوات الرقمية.

## مهارات الشباب تتحول إلى دخل: من التمكن إلى الاستقلال المالي
شددت خبيرة الاقتصاد المجتمعي على ضرورة التعامل مع المهارات باعتبارها أصولًا قابلة للتطوير والاستثمار. فالتعلم المستمر واكتساب الخبرات يساعدان على تحقيق استقلال مالي تدريجي، ويمنحان الشاب قدرة أكبر على مواكبة احتياجات سوق العمل المتغيرة.

ولتقوية فرص النجاح في العمل الحر، يمكن للشباب اتباع خطوات عملية مثل:
– تحديد مهارة مطلوبة وسهلة البدء بعروض واضحة للخدمة.
– بناء نماذج أعمال وتحديثها بشكل دوري.
– تعلم التواصل مع العملاء بوضوح: فهم المطلوب، تحديد المدة، وضمان جودة التنفيذ.
– تنويع مصادر الدخل تدريجيًا بدل الاعتماد على خدمة واحدة.
– استخدام أدوات رقمية بشكل فعّال، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تحسين الإنتاجية دون الاعتماد الكلي عليه.

وفي المحصلة، يمثل العمل الحر فرصة واعدة للشباب عندما يقترن باستراتيجية تعلم مستمرة، وتدريب مبكر، وتنمية مهارات حقيقية، مع فهم واعٍ للتحول الرقمي الذي يعيد تعريف سوق العمل ويمنح إمكانات أوسع لتحقيق دخل مستقل.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *