التخطي إلى المحتوى

رصد علماء الفلك لحظة غير مألوفة من موت نجم ضخم، عبر أول ومضة خافتة للأشعة السينية ظهرت قبل أن تتضح بقية تفاصيل الحدث. ويُعتقد أن هذا الاكتشاف قد يساعد على سد الفجوة بين المستعرات العظمى “الطبيعية” وبين الانفجارات النجمية الأكثر تطرفًا التي ترتبط غالبًا بإطلاق أشعة جاما.

بدأت القصة عندما رصدت مركبة الفضاء الصينية «أينشتاين بروب» ومضة قصيرة من الأشعة السينية قادمة من مجرة تبعد قرابة 500 مليون سنة ضوئية. كانت الإشارة ضعيفة نسبيًا، لكنها شكّلت إنذارًا مبكرًا لحدث سيكشف لاحقًا عن طبيعة انفجاره.

وبحسب ما ورد، أطلقت فرق الرصد اسمًا أوليًا على المصدر قبل تثبيت طبيعة الحدث؛ إذ سُمّي في البداية EP260321a، ثم جرى رصد المستعر الأعظم وربطه تدريجيًا بالاسم SN 2026gzf. وأظهرت القياسات اللاحقة أن الجسم المنفجر يمثل مستعرًا أعظم من النوع Ic، يتميز بوجود خطوط طيفية عريضة تشير إلى سرعات عالية جدًا لطبقات مقذوفاته.

ما الذي يجعل هذا الانفجار مختلفًا؟

تنتج المستعرات العظمى من النوع Ic عادةً عن انهيار نجوم ضخمة فقدت أغلفتها الخارجية من الهيدروجين والهيليوم قبل الانفجار. وعادةً ما ترافق هذه الانفجارات موجات قوية ونفاثات ضيقة تتحرك بسرعة قد تقترب من سرعة الضوء، وفي بعض الحالات قد تترافق أيضًا مع انفجارات أشعة جاما اللامعة.

لكن في حالة SN 2026gzf لم تُسجَّل علامات واضحة لانفجارات أشعة جاما أو نفاثات “جهرية” مماثلة لتلك المرتبطة عادةً بأشد الانفجارات تطرفًا. بدلًا من ذلك، تشير البيانات إلى أن الوميض الأول في الأشعة السينية كان عبارة عن انفجار صَدمي، أي اللحظة التي تصل فيها موجة الانفجار الناتجة عن انهيار قلب النجم إلى حدّه الخارجي ثم تبدأ بإطلاق دفعة مبكرة من الإشعاع.

هذه المرحلة المبكرة عادةً تكون قصيرة جدًا؛ لذلك يُعد رصدها نادرًا. فالوميض الصدمي قد يستمر لثوانٍ فقط في كثير من الحالات، ما يجعل التقاطه تحديًا أمام أي منظومة رصد، خصوصًا عندما يكون الحدث بعيدًا.

كيف التقط العلماء الحدث عبر أطوال موجية متعددة؟

استفادت فرق البحث من السرعة في تحويل الإنذار إلى متابعة تفصيلية. فقد تم تتبع المستعر الأعظم خلال مراحله الأولى باستخدام شبكة من التلسكوبات الفضائية والأرضية، شملت عددًا من مراصد NOIRLab وغيرها، ما سمح بقياس تغيّر لمعان الحدث وطيفه مع الوقت.

إن الجمع بين رصد الأشعة السينية في بدايات الانفجار وقياسات الضوء المرئي وتحت الحمراء وغيرها في المراحل اللاحقة يساعد على بناء “سجل زمني” للانفجار: كيف يبدأ، متى تصل موجة الانفجار للسطح، وكيف تتفاعل المقذوفات مع المادة المحيطة بالنجم.

ما الذي تعنيه النتائج لفهم حياة النجوم؟

قالت جيليان راستينجاد، التي قادت إحدى الدراسات حول هذا الحدث، في بيان: “سمحت لنا عمليات الرصد بدراسة فيزياء ثلاثة عناصر لهذا الانفجار: الانفجار الصدمي للأشعة السينية، والمستعر الأعظم المصاحب له، وتفاعل المستعر الأعظم مع المواد التي قذفها النجم المحتضر سابقًا. وبفضل هذه المعلومات، تمكّنا من رسم خريطة لبنية المادة المحيطة بالنجم وفهم نمط حياته العنيف قبل انهياره.”

وبعبارة أخرى، لم يقتصر الحدث على رصد “انفجار” فحسب، بل أعطى نافذة لفهم البيئة المحيطة بالنجم قبل موته. فالمادة التي يطردها النجم في مراحله الأخيرة قد تكون قد تراكمت على شكل غلاف أو مناطق كثيفة، وعند وصول المقذوفات المنفجرة تتشكل تفاعلات قوية تُترجم إلى بصمات طيفية ولمعان متغير.

هل يسد هذا الاكتشاف فجوة بين الأنواع المختلفة من الانفجارات؟

أحد أهم الدوافع العلمية وراء هذا الرصد هو محاولة تفسير كيفية انتقال النجوم من سيناريوهات “انفجار مستعر أعظم اعتيادي نسبيًا” إلى سيناريوهات أكثر تطرفًا قد تصل إلى انفجارات أشعة جاما. فوجود انفجار صَدمي للأشعة السينية دون رصد انفجارات جاما واضح يطرح تساؤلات حول شروط تكوين النفاثات، وطبيعة قلب النجم، وكيفية اختلاف الكتل وفواقد الكتلة قبل الانفجار.

تشير بيانات SN 2026gzf إلى أن النجم ربما مرّ بمرحلة فقد كتلة شديدة أنتجت بنية داخلية وظروفًا محيطة مناسبة لإظهار “وميض صَدمي” مبكر، مع غياب بعض السمات التي تتوقعها النماذج الأكثر تطرفًا. ومن هنا تأتي قيمة الحدث كدراسة حالة تساعد النماذج النظرية على التمييز بين مسارات متعددة لموت النجوم.

لماذا يهم استمرار الرصد السريع؟

يوضح هذا الاكتشاف أهمية منظومات الإنذار المبكر والرصد المتعدد القنوات. فعندما تُلتقط ومضة أولية مبكرة—ولو كانت خافتة—يمكن لفريق البحث بدء المتابعة فورًا وبناء نموذج زمني للانفجار، بدلًا من انتظار تطور الحدث إلى مرحلة أكثر لمعانًا.

ومع تطور أجهزة الكشف وزيادة سرعة استجابة الشبكات الرصدية، تتوقع الفرق العلمية التقاط المزيد من الومضات الصدمية التي تظهر قبل المستعرات الأعظم، ما يعزز فهمنا لفيزياء الانهيار النووي وتفاعلات المقذوفات مع المادة المحيطة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *