اصطدم أحد الصواريخ التابعة لشركة سبيس إكس بسطح القمر بسرعة تفوق السرعة الصوتية بنحو سبع مرات، في حادثٍ دفع وكالة ناسا إلى تكثيف جهودها لرصد آثار الاصطدام وتحديد ملابساته بدقة. وبحسب المعلومات المتاحة، تحطمت المرحلة العليا من صاروخ فالكون 9 على سطح القمر، ما يجعل اكتشاف صور للموقع “قبل وبعد” الاصطدام هدفًا علميًا مهمًا لفهم ما حدث ولتقييم تأثير جسم الصاروخ على بيئة القمر.
وتستند خطة ناسا إلى استخدام قدرات التصوير المتوفرة لدى مركباتها المدارية القمرية، إضافة إلى إمكانات أجهزة تصوير محددة على متن هذه المركبات. فوفقًا لما ذكره موقع “Space”، سيحاول كلٌ من “مركبة استطلاع القمر المدارية” التابعة لناسا و”جهاز شادو كام” الموجود على متن مركبة “كوريـا باثفايندر” القمرية التقاط صور لموقع التحطم عبر مرور المركبات فوق المنطقة ضمن المدارات اللاحقة. ويُرجى أن تساعد هذه الصور العلماء على رصد أي تغيّرات سطحية ناتجة عن الاصطدام، وربطها بتوقعات مسار الجسم وخصائصه.
هل يمكن تصوير مكان الاصطدام؟
الإجابة ليست ثابتة وتعتمد على مجموعة عوامل تقنية وعلمية، أبرزها موقع نقطة الارتطام على سطح القمر، وظروف الإضاءة في تلك المنطقة أثناء مرور المركبة المدارية (مثل زاوية الشمس التي تؤثر على وضوح التضاريس)، إضافةً إلى موعد عبور المركبة فوق المكان في المدار التالي. وقد تستغرق بعض المراحل وقتًا قبل توفر صور عالية الدقة، إذ قد يمر عدة أيام قبل أن تتمكن المركبة من استهداف المنطقة مرة أخرى ضمن نافذة تصوير مناسبة.
كما أن حجم الجسم المشارك في الحادث يلعب دورًا في احتمالية رصد الأثر. ففي هذه الحالة، تُذكر أن المرحلة العليا من فالكون 9 تزن قرابة 4000 كيلوجرام، وبحسب العادة تُرسل لتخضع للاحتراق في الغلاف الجوي للأرض بعد انتهاء مهمتها. غير أن ظروف هذه المهمة لم تسمح بالعودة إلى مدارٍ يؤدي إلى الاحتراق، إذ تم إطلاق مركبتين هبوط قمريتين: “بلو جوست” التابعة لشركة Firefly Aerospace و”ريزيليانس” التابعة لشركة iSpace (ومقرها طوكيو) إلى مدار أرضي مرتفع يعبر القمر في يناير 2025. وبسبب هذا التخطيط، استهلكت المرحلة العليا معظم وقودها للوصول إلى ذلك المسار البعيد، ولم تتمكن من تعديل وضعها بما يسمح بإعادتها لمسار احتراق في الغلاف الجوي للأرض.
كيف اتجهت المرحلة نحو القمر وانتهت بالاصطدام؟
خلال مؤتمر صحفي، أوضحت جوليانا شيمان، مديرة برامج العلوم و”دراغون” في ناسا بشركة سبيس إكس، أن التعامل مع المرحلة العليا تم عبر مناورة مختلفة عن المعتاد ضمن “مهمات عالية الطاقة”. وذكرت أن تنفيذ هذه المناورة كان ضروريًا لضمان سلامة المرحلة الثانية وفق القواعد واللوائح المعمول بها. ومع ذلك، بقي جسم الصاروخ خاضعًا مع الوقت لقوى طبيعية مؤثرة.
ويرتبط مسار الجسم في النهاية بمجموعة عوامل، أبرزها تأثير الجاذبية مع تفاعلات مرتبطة بالحركة المدارية، بالإضافة إلى نشاط شمسي قد يلعب دورًا غير مباشر عبر التأثيرات المرتبطة ببيئة البلازما والإشعاع في الفضاء. ووفق ما جرى توضيحه، فإن مزيجًا من النشاط الشمسي وقوى الجاذبية وضع المرحلة على مسار نحو القمر، لتشهد نهايتها اصطدامًا سريعًا.
وبلغت سرعة الاصطدام نحو 8690 كيلومترًا في الساعة، وهي سرعة عالية جدًا تجعل تأثير الاصطدام بالغ القوة. ومن المرجح—بحسب تقديرات علمية مرتبطة بالطاقة الحركية وحجم الجسم—أن الاصطدام قد يكون خلّف فوهة بقطر قد يصل إلى حوالي 27 مترًا. وتُعد هذه التقديرات مهمة لأنها تساعد على تضييق نطاق توقعات التصوير: فإذا كانت الفوهة ضمن حجم يمكن تمييزه بالعينات الرادارية أو بقدرات الكاميرات من المدار، تصبح فرص الحصول على صور واضحة أكبر.
لماذا تُعد هذه العملية مهمة علميًا؟
رصد الحادث ليس مجرد توثيق لواقعة سقوط. فالاصطدام يُعد “حدثًا طبيعيًا مُصطنعًا” نسبيًا يمكن أن يوفر بيانات حول طبيعة تفتت السطح القمري تحت تأثير أجسام كبيرة، وحول كيفية تشكّل الفوهات ومدى بروز المواد المقذوفة. كما يمكن أن يساعد على تحسين النماذج المتعلقة بمسارات المركبات وفهم ما يحدث للمرحلة العليا عندما لا تنتهي بالاحتراق كما في سيناريوهات الإطلاق المعتادة.
وبينما يستمر العمل على التقاط الصور من خلال المرور المداري، يبقى التحدي الأساسي هو توقيت التصوير وظروف الإضاءة ودقة الأجهزة المستخدمة. ومع نجاح التصوير، قد تحصل ناسا والجهات المشاركة على سلسلة صور تُظهر آثار الاصطدام وتسمح بتحليلها وربطها بسرعة الجسم وموقعه وتقدير الطاقة التي أطلقها عند الارتطام.

التعليقات