التخطي إلى المحتوى

تتصاعد المخاوف في أوروبا مع استمرار موجات الحر والحرائق في عدة دول، بما يعكس دخول العالم في مرحلة مناخية أكثر تطرفًا، في ظل تحذيرات متزايدة من اتساع آثار الاحتباس الحراري وتأثيراته المباشرة على الأمن الغذائي والصحة العامة والموارد المائية. وفي هذا السياق، شدد خبراء التنبؤات الجوية على أن السنوات المقبلة قد تحمل مستويات حرارة أعلى ووتيرة أكبر للظواهر المناخية القاسية، ما يستدعي استعدادًا عاجلًا على المستويين المحلي والدولي.

يرى الدكتور جمال الموسى، مستشار التنبؤات الجوية، أن العالم يواجه انتقالًا تدريجيًا نحو ظروف أكثر سخونة، وأن ذلك لا يقتصر على ارتفاع درجات الحرارة فقط، بل يمتد ليشمل زيادة معدلات الجفاف وتفاقم الحرائق وتذبذب أنماط الهطول. وأوضح أن الاستخدام المتواصل للوقود الأحفوري منذ الثورة الصناعية أدى إلى تراكم غازات دفيئة في الغلاف الجوي، الأمر الذي ساهم في تغيير نمط الطقس ورفع احتمالات حدوث أحداث مناخية حادة.

ومن أبرز العوامل التي قد تزيد حدة الأزمة ظاهرة «النينيو»، إذ رجّح الموسى أن يكون تأثيرها واضحًا خلال عامي 2026 و2027، بما يؤدي إلى رفع درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات وتغذية أجواء أكثر جفافًا في مناطق متعددة. فارتفاع الحرارة يزيد من تبخر الرطوبة من التربة والنباتات، ومع توافر الظروف المناسبة مثل سرعة الرياح وارتفاع قابلية الاشتعال في الغطاء النباتي، ترتفع احتمالات نشوب الحرائق وانتشارها بسرعة أكبر.

كما حذر من أن الاحترار لا يتوقف عند حدود الموسم أو العام؛ بل يبدو أنه يسير بخط متصاعد، مشيرًا إلى أن الفترة من 2026 حتى 2030 مرشحة لتسجيل ارتفاع إضافي في درجات الحرارة إذا استمرت الانبعاثات الكربونية عند معدلاتها الحالية. وفي الوقت ذاته، لفت إلى وجود فجوة واضحة بين الوعود التي تُطرح في المؤتمرات الدولية للمناخ وبين التطبيق الفعلي على الأرض، مع تحميل الدول الصناعية النصيب الأكبر من المسؤولية التاريخية والمعاصرة عن الانبعاثات المسببة للاحترار.

وتأتي المخاطر في أبعاد أوسع من الحرائق وموجات الحر نفسها. فمن ناحية، قد يؤدي تكرار الجفاف والظروف القاسية إلى انخفاض إنتاجية المحاصيل الزراعية، نتيجة الإجهاد الحراري ونقص المياه في مراحل نمو حساسة، ما يهدد باستمرار شبح نقص الغذاء أو ارتفاع أسعاره في المدى القريب والمتوسط. ومن ناحية أخرى، فإن تراجع الموارد المائية سيؤثر أيضًا على الأنشطة المرتبطة بها، بما في ذلك الثروة السمكية التي تتأثر بتغير درجات حرارة المياه واختلال النظم البيئية.

وعلى الصعيد الصحي، ترتبط موجات الحر بارتفاع معدلات الوفيات والإجهاد الحراري، وقد شهد العالم في أعوام سابقة خسائر بشرية كبيرة خلال موجات مماثلة، كما في 2003 و2022. ويضاف إلى ذلك خطر تلوث الهواء الناتج عن الحرائق والدخان، إذ تسهم الجسيمات الدقيقة والغازات المنبعثة في تفاقم أمراض الجهاز التنفسي والقلب، وقد يرتبط التعرض طويلًا بزيادة كبيرة في الوفيات عالميًا. وتزداد الخطورة عندما تتجاوز درجات الحرارة مستويات مرتفعة جدًا؛ إذ تصبح قدرة الجسم على تنظيم الحرارة محدودة، خاصة لدى كبار السن والأطفال والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة.

كما أن البعد الاقتصادي لا يقل أهمية، إذ تتأثر قطاعات الطاقة والزراعة والنقل والبنية التحتية بتكاليف إضافية مرتبطة بإدارة الحرائق والاستجابة للطوارئ وتكييف المباني ومخاطر انقطاع الخدمات. ووفق ما أشار إليه الموسى، فإن العديد من المدن والمباني في أوروبا صُممت تاريخيًا لتناسب الأجواء الباردة نسبيًا، ما يجعل التعامل مع موجات الحر الشديدة أكثر صعوبة ويضاعف الحاجة إلى تحديث أنظمة التبريد والتأقلم الحضري.

ولمواجهة هذا الواقع، يرى الخبراء ضرورة الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى التخطيط طويل الأجل. وتشمل الأولويات توسيع منظومات الإنذار المبكر لموجات الحر والحرائق، وتحسين إدارة الغابات ومنع تراكم المواد القابلة للاشتعال، وتطوير سياسات ترشيد المياه وزيادة كفاءة الري، ودعم الزراعة المقاومة للجفاف، وتعزيز جاهزية أنظمة الصحة العامة لاستيعاب موجات الإجهاد الحراري وتلوث الهواء. كذلك تتطلب المرحلة الجديدة تفعيل التعاون الدولي لتبادل البيانات والتقنيات وتمويل إجراءات التكيف والحد من الانبعاثات.

وفي ختام حديثه، شدد الدكتور جمال الموسى على أن العالم بدأ فعليًا في إعادة تقييم البنية التحتية لمواجهة تقلبات الطقس، وتوقع أن تترافق موجات الحر العنيفة أحيانًا مع أمطار غزيرة وسيول قد تسبب أضرارًا واسعة. لذلك فإن الاستعداد المبكر وتوحيد الجهود بين الدول والقطاعات المختلفة يمثلان عاملًا حاسمًا لتقليل الخسائر وحماية المجتمعات من تبعات التغيرات المناخية المتسارعة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *