التخطي إلى المحتوى

ستصطدم المرحلة العليا من صاروخ فالكون 9 التابع لشركة سبيس إكس بسطح القمر في حدثٍ مُرتقب يُتوقع له أن يحدث غدًا الأربعاء 5 أغسطس. وسيكون التأثير مصحوبًا بتكوّن فوهةٍ كبيرة نسبيًا يقدَّر عرضها بنحو 27 مترًا، وهو أمرٌ لافت لأن مصير الصاروخ لم يكن يفترض أن ينتهي بهذه الصورة، خصوصًا بعد أن ظل جسمه “يحوم” فوق الأرض لأكثر من 18 شهرًا قبل أن ينتقل إلى مسار تصادمي مباشر.

بحسب ما ورد، فإن الصاروخ لم يتحرك عشوائيًا، بل كان جزءًا من تسلسل مدروس مرتبط بمهمة إطلاقٍ جرت في يناير 2025. إذ أطلق فالكون 9 حينها مركبتين هبوط آليتين إلى سطح القمر: “بلو جوست” التي طورتها شركة فايرفلاي إيروسبيس، و“ريزيليانس” التي بنتها شركة آي سبيس (مقرها طوكيو). كانت مهمة الإطلاق تهدف إلى نقل المسبارين القمريين إلى نقاط هبوط مناسبة على القمر، وهو ما يقتضي أن تقوم المرحلة العليا بوظائف دفع تُحَدِّد مسارها بدقة.

لماذا انتهت المرحلة العليا إلى الاصطدام؟

السبب الجوهري يرتبط بطريقة تشغيل مراحل فالكون 9. فالمرحلة الأولى من فالكون 9 معروفة بإمكانية إعادة استخدامها عادةً، لكن المرحلة العليا لا تُستعمل إلا مرة واحدة في الغالب. وفي كثيرٍ من الإطلاقات، تفضّل سبيس إكس إخراج المرحلة العليا من مدارها بعد فترة قصيرة من الإطلاق، عبر توجيهها للعودة إلى الأرض مع حرقٍ مُتحكم به داخل الغلاف الجوي لتفادي تحوّلها إلى حطام مداري طويل الأمد.

غير أن هذا السيناريو لم يكن ممكنًا في حالة “بلو جوست-ريزيليانس”. فعملية إيصال المسبارين إلى نقطة إطلاقهما البعيدة على القمر تطلبت استهلاك معظم وقود المرحلة العليا في مرحلة الإقلاع/التهيئة قبل الوصول إلى المهمة المطلوبة. ووفقًا لذلك، لم يعد هناك هامش كافٍ لقيام سبيس إكس بخطة لاحقة لإعادة توجيه المرحلة العليا نحو مسار هبوط آمن على الأرض.

نتيجة لذلك، تُركت كتلة من الصاروخ — تقدر بنحو 4000 كيلوجرام (حوالي 8800 رطل) — تتحرك في مدار أرضي مرتفع (بحكم المدارات العابرة/القريبة من مسار القمر)، ثم أخذت قوانين الجاذبية والاضطرابات الطبيعية تعمل على تعديل مسارها تدريجيًا حتى وصلت إلى المسار الذي ينتهي بالاصطدام بالقمر.

وماذا “أيقظ” الصاروخ من سباته؟

من النقاط المهمة في القصة أن الجسم لم يكن يستهدف القمر فورًا. فقد كان هناك ميلٌ للاعتقاد بوجود “تثبيت” أو محاولة لجعل مسار المرحلة العليا أقل تعرضًا للتغيرات، لكن الواقع أثبت أن الكتلة لم تُحافظ على موقع ثابت تمامًا.

ووفق توضيحات من داخل ملف المهمة، نفذت سبيس إكس “مناورة” مختلفة عن الإجراء المعتاد لإخراج المركبة من المدار، بهدف تقليل المخاطر وضمان السلامة وفق قواعد وأنظمة مرتبطة بالمسارات المدارية وإدارة الحطام. إلا أن هذه المناورة — رغم أنها حاولت الحد من التأثيرات — لم تجعل كتلة المرحلة الثانية ثابتة بصورة تامة. ومع استمرار تأثير القوى الطبيعية، مثل تباين قوى الجاذبية والاحتكاكات/الاضطرابات المدارية على المدى الطويل، تغيّر مسار المرحلة العليا تدريجيًا حتى استقر على مسار تصادمي مع القمر بعد مدة طويلة نسبيًا.

هل يمكن رؤية الاصطدام من الأرض؟

يترقب العلماء والمراقبون هذا الحدث رغم أنه — حسب التوقعات — سيقع على الجانب المُضاء بالشمس من القمر، لكنه ليس بالضرورة أن يكون مرئيًا لمعظم الناس في الأرض. ويرجع ذلك إلى أن معظم تفاصيل “لحظة الدخول” وتشكّل عمود المقذوفات قد لا تكون ضمن زاوية الرؤية المباشرة للجمهور. ومع ذلك، قد يتمكن هواة مراقبة السماء الذين يمتلكون تلسكوبات جيدة من التقاط لمحة من عمود المقذوفات أو أثر الاصطدام، بشرط توافر ظروف رصد مناسبة.

ومن الناحية العلمية، يمثل الاصطدام فرصة لفهم سلوك الحطام الفضائي المدارّي على المدى الطويل وكيفية تأثير ظروف الدفع الناقص أو المتطلبات المهمة لنقل حمولات قمريّة على “الوجهة النهائية” لبقايا الصواريخ. كما يساعد الحادث في تحسين نماذج التنبؤ بالمسارات، وتطوير سياسات أكثر دقة لإدارة الأجزاء غير المُسترجعة بعد مهام الاستكشاف.

في النهاية، تبدو القصة أقرب إلى نتيجة سلسلة من القرارات التقنية والقيود المرتبطة بالوقود والمتطلبات المدارية لمهمة قمريّة، حيث لم تسمح ظروف النقل بإعادة توجيه المرحلة العليا للعودة إلى الأرض، فانتقلت المسألة — بمرور الوقت — من مجرد مرحلة مهام إلى حدث تصادمي محسوب ينتهي على سطح القمر.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *