كشف الدكتور محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، عن تفاصيل اكتشافين أثريين حديثين في محافظتي بورسعيد ودمياط، بما يسلّط الضوء على ملامح الحياة اليومية والمعتقدات وطقوس الدفن في شرق الدلتا خلال فترات تاريخية متعاقبة.
وأوضح عبد البديع أن المجلس الأعلى للآثار يعمل وفق خطة حفائر متكاملة تستهدف تغطية مناطق متعددة في أنحاء الجمهورية، مع مراعاة التنوع التاريخي والجغرافي للمواقع الأثرية. وأشار إلى أن أعمال الحفر تشمل مشروعات تمولها الجهات المختصة، إلى جانب حفائر الإنقاذ التي تهدف إلى حماية المواقع من التعديات والامتداد العمراني، إضافة إلى حفائر تنفذها جهات أخرى وفق خطط بحثية معتمدة.
وفي محافظة بورسعيد، أسفرت أعمال الحفر في منطقة تل الناصر عن كشف مجمع متكامل للحمامات يعود إلى العصرين البطلمي والروماني. ويضم المجمع حمامات عامة وأخرى مخصصة للاستخدام الخاص، ما يشير إلى تعدد وظائف المكان وتنوع فئاته من مستخدميه. كما رصدت البعثة مناطق مخصصة للتنظيف والاستحمام باستخدام المياه الساخنة والباردة، وهو ما يعكس اهتمامًا واضحًا بنظم النظافة والراحة.
وتشير ملامح المجمع إلى مستوى متقدم من التخطيط الهندسي، لا سيما فيما يتعلق بتنظيم أجزاء الحمامات وتوزيع مسارات الاستخدام، فضلاً عن أنظمة تشغيل المياه بما ينسجم مع طبيعة المنشآت الحمامية في تلك الحقبة. كما يبرز هذا الكشف جانبًا من مظاهر الرفاهية التي ارتبطت بمرافق الخدمة العامة في شرق الدلتا، ويعطي مؤشرات على كيفية إدارة الفضاء المعماري ووظائفه داخل التجمعات السكانية خلال العصرين البطلمي والروماني.
أما في دمياط، فقد أشار رئيس قطاع الآثار المصرية إلى العثور على مجموعة من شواهد القبور والتوابيت والتمائم والجعارين والمسارج، إضافة إلى حُلي مصنوعة من أحجار شبه كريمة. وتُعد هذه المكتشفات من الأدلة المهمة لفهم طقوس الدفن وما رافقها من رموز وزخارف ومواد ذات قيمة.
ولفت عبد البديع إلى أن المكتشفات تعكس امتزاجًا ثقافيًا واضحًا بين الحضارة المصرية القديمة وبين التأثيرات البطلمية والرومانية. وتظهر بعض شواهد القبور بزخارف وتصميمات تحمل سمات متأثرة بالفنون اليونانية والرومانية، مع استمرار وجود عناصر وملامح فنية مصرية في الشكل العام واللغة الزخرفية، بما يعكس التفاعل بين المدارس الفنية عبر العصور.
وأكد أن هذه الاكتشافات تسهم في إعادة قراءة تاريخ شرق الدلتا بصورة أدق، عبر توفير معلومات جديدة تدعم فهم البنية المعمارية اليومية (كما في مجمع الحمامات)، وتوضح في الوقت ذاته جوانب المعتقدات وطقوس الدفن والرموز المستخدمة لدى السكان خلال فترات متعددة. ويُتوقع أن تسهم نتائج الدراسة الأثرية والتحليل المبدئي للمواد والتنظيم المعماري في تقديم تفسير أوسع لدور هذه المناطق داخل شبكة الاستيطان والأنشطة المرتبطة بالحياة الاجتماعية في تلك الحقبة.

التعليقات