أكد الدكتور السيد نجم، من علماء الأزهر الشريف، أن الإسلام منذ بدايته رسّخ مجموعة من القيم الإنسانية التي يقوم عليها المجتمع السليم، وفي مقدمتها الرحمة والتسامح وحفظ النفس وحفظ المجتمع. وشدّد على أن التصدي للفكر المتطرف لا يتحقق بالشعارات، بل بالعودة إلى المنهج الصحيح الذي يقوم على الوسطية والاعتدال، والابتعاد عن الغلو والتشدد الذي يحرّف مقاصد الدين.
جاء ذلك خلال لقائه مع الإعلامي أحمد دياب في برنامج “صباح البلد” المذاع على قناة صدى البلد. وأوضح الدكتور نجم أن حب الوطن في الإسلام لا يُختزل في مجرد مشاعر عاطفية، بل هو معنى أوسع يرتبط بالقيم الإيمانية والأعمال الصالحة. فالإسلام ينظر إلى العبادة باعتبارها أفقًا رحبًا لا يقتصر على أداء الشعائر فقط، بل تشمل كل عمل نافع يخدم الإنسان والمجتمع والوطن.
وبيّن أن من صور الإخلاص للوطن: العمل من أجل مصلحة الوطن، والسعي لتحقيق الخير العام، وتربية الأجيال على الانتماء الواعي، والدفاع عن الأرض والحقوق عند الحاجة، مع التأكيد أن هذه المعاني تدخل ضمن باب الطاعات التي يُرجى من خلالها التقرب إلى الله سبحانه وتعالى. فالتدين الحقيقي يظهر أثره في بناء الإنسان وتماسك المجتمع وخدمة المصلحة العامة.
وأشار إلى أن موقف النبي صلى الله عليه وسلم عند خروجه من مكة يُعد نموذجًا واضحًا لمعنى التعلق بالوطن دون تعارض مع مقتضيات الدين. واستشهد بحديثه الشريف: “والله إنك لأحب بلاد الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت”. وتابع أن هذه الكلمات تعكس قيمة الوطن في النفس البشرية، وتدل على أن الحب فطرة لا ينفصل عن الأخلاق والالتزام الديني.
ولفت إلى أن انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة لم يُلغِ مشاعر الحنين إلى مكة، بل ظهر ذلك من خلال الدعاء؛ إذ دعا الله سبحانه وتعالى أن يحبب إليه المدينة كما أحب مكة أو أشد. واعتبر الدكتور نجم هذا المعنى تأكيدًا على أن الانتماء للأوطان شعور فطري، وأنه يمكن التوفيق بين حب الوطن وبين التمسك بالقيم الإسلامية دون إفراط أو تفريط.
وأضاف أن مواجهة التطرف تستدعي ترسيخ الفهم الصحيح للنصوص، وتصحيح المفاهيم المغلوطة حول الجهاد والعنف، وربط الدين بالرحمة والعدل وإعمار الأرض، لأن الإسلام جاء ليهذب السلوك ويصون الإنسان. كما دعا إلى نشر ثقافة الحوار والتسامح، وتعزيز روح المواطنة المسؤولة التي تجمع بين احترام القانون وخدمة المجتمع وحماية مقدرات الدولة، بما يضمن بيئة آمنة ترفض خطاب الكراهية وتمنع استغلال الدين في تبرير العنف.
وختم حديثه بتأكيد أن الإسلام يوازن بين القلب والعقل والعمل، وأن الوسطية هي الطريق الأوضح لمواجهة التشدد؛ إذ تُبنى المواقف على مقاصد الشريعة التي تؤكد حفظ النفس والمجتمع، وتُترجم في واقع الناس إلى خيرٍ مستمر: رحمة في التعامل، واعتدال في الفكر، وانتماء صادق في السلوك.

التعليقات