يؤكد الشيخ أحمد عادل شيحة، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، أن حبّ الوطن ليس شعارًا يُرفع ولا عاطفة عابرة فحسب، بل هو معنى فطري أصيل يتناغم مع روح الإسلام وتعاليمه. فالنفس البشرية تميل بطبيعتها إلى المكان الذي نشأت فيه، ويغدو الوطن سندًا للهوية والانتماء، ويظهر هذا المعنى في مواقف الأنبياء عليهم السلام قبل أن يظهر في كلام الناس.
ويستشهد شيحة بما رُوي من حديث النبي محمد ﷺ عند لقائه ورقة بن نوفل، وما تضمّنه من تأمل النبي في عواقب الدعوة وما قد يتعرض له من تكذيب وأذى وقتال، ثم ما يرتبط بذلك من فكرة الخروج من مكة. فالنبي ﷺ، وهو يواجه احتمالات الاعتداء والإخراج، توقف عند معنى الخروج من بلده متسائلًا بلهجة من تعلّق القلب بمكانه: «أو مخرجي هم؟». ويرى الشيخ أن هذه الوقفة تكشف أن ارتباط النبي ﷺ بمكة لم يكن ارتباطًا شكليًا، بل شعورًا عميقًا بالبلد والموطن، حتى في لحظات ابتلاء الدعوة.
كما يوضح عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية كيف عبّر النبي ﷺ عن حبه لمكة حين غادرها مهاجرًا. فقد ورد في المعنى الذي لخصه الشيخ قول النبي ﷺ: «والله إنك لأحب أرض الله إليّ، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت». وهذه العبارة- كما يشرح- تجسد مبدأين معًا: حب الأرض والوطن بوصفه موطنًا للإنسان، والاعتراف بحقّ الإخراج والاضطرار حين تقع الفتنة أو تُستحكم الظروف. وبذلك يصبح حب الوطن جزءًا من الأخلاق، لا مجرد رغبة في البقاء.
ومن جهة أخرى، يلفت شيحة إلى أن الله سبحانه وتعالى جبر خاطر النبي ﷺ بعد خروجه من مكة، مستدلًا بأن بعض المفسرين رأوا في قول الله تعالى: «إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد» بشارة بعودة النبي ﷺ إلى مكة. وفي هذا المعنى تتجلى قيمة الصبر والرجاء: فحب الوطن لا يمنع الابتلاء، لكنه يظل دافعًا للاعتزاز والانتماء، ويقترن بالثقة في أن الخير لا يفارق الطريق الصحيح.
ويرى الشيخ أيضًا أن العبارة المتداولة «حب الوطن من الإيمان» ليست حديثًا نبويًا ثابتًا ولا آية قرآنية، ومع ذلك لا يلزم من عدم ثبوتها أن ننفي أصل المعنى الذي تحمله. إذ إن الإسلام رسّخ قيمة الانتماء والوفاء للمكان الذي تُصان فيه القيم ويُدافع فيه عن الحق، ويمكن استنتاج هذا المعنى من سيرة النبي ﷺ ومواقفه مع مكة.
ويؤكد شيحة أن القدوة بالنبي محمد ﷺ لا تقتصر على العبادات وحدها، بل تمتد إلى الأخلاق الجامعة التي تشمل احترام الوطن والمحافظة عليه، والسعي لرفعة المجتمع وصيانة أمنه، لأن الوطن هو الوعاء الذي يعيش فيه الناس على دينهم وقيمهم. ومن هنا يصبح حب الوطن عبادةً بالنية الصالحة والعمل النافع؛ فحين يحرص المسلم على مصلحة بلده، ويحفظ مكتسباته، ويرعى حقوق الناس، يكون قد جسّد معنى الانتماء بصورة عملية تتوافق مع مقاصد الشريعة.
وفي النهاية، يخلص الشيخ أحمد عادل شيحة إلى أن حبّ الوطن فطرة إنسانية يوافقها الشرع حين ترتبط بالعدل وحفظ الحقوق وخدمة المجتمع، وأن سيرة النبي ﷺ تقدم نموذجًا حيًا لهذا الارتباط: حبٌّ بالقلب، وصبرٌ عند الابتلاء، ووفاءٌ عند العودة، وعملٌ صالح عند القدرة على الإصلاح.

التعليقات