التخطي إلى المحتوى

تتزايد المطالب بضرورة معالجة الأسباب الجذرية لأزمة نقص الأطباء في عدد من المستشفيات والوحدات الصحية الحكومية، خصوصًا في ظل ما تشهده بعض المنشآت من عجز ينعكس على انتظام سير العمل وعلى جودة الخدمات المقدمة للمرضى. وتشير جهات طبية وتشريعية إلى أن الحلول لا تقتصر على التعيينات فحسب، بل تحتاج إلى حزمة متكاملة تشمل تحسين الموازنة، وإعادة توزيع الموارد البشرية، ورفع جاذبية العمل في القطاع العام.

ويؤكد أطباء وممثلو نقابة الأطباء أن تدني الرواتب والحوافز مقارنة بحجم المسؤوليات وضغوط العمل يعد من أبرز دوافع العزوف عن العمل في بعض المستشفيات، إلى جانب اتجاه عدد من الأطباء للعمل في القطاع الخاص أو السفر إلى الخارج. وترى النقابة أن غياب التحسينات المادية والتشغيلية يضعف قدرة المستشفيات على تقديم رعاية طبية مستمرة ويؤثر على استقرار الطواقم.

ومن جانبه، أوضح الدكتور جمال عميرة وكيل نقابة الأطباء أن المستشفيات تواجه أيضًا نقصًا في بعض الإمكانيات، وأن مدير مستشفى قنا (وفقًا لبيان النقابة) سبق أن خاطب الجهات المختصة بشأن النواقص والاحتياجات، إلا أنه لم يتم توفيرها حتى وقت الحديث. ويترتب على ذلك أن الطبيب قد يعمل بموارد محدودة، وهو عامل يزيد من تراجع الرضا الوظيفي ويؤثر على جودة التشخيص والعلاج.

نقص بأعداد الأطباء في المستشفيات الحكومية

تشير نقابة الأطباء إلى وجود نقص واضح في أعداد الأطباء داخل المستشفيات الحكومية. ويؤكد وكيل النقابة أن مصر تحتاج إلى زيادة عدد الأطباء بشكل ملحوظ كي تقترب من الاحتياج الفعلي، لافتًا إلى أن المطلوب قد يصل إلى ضعفين ونصف العدد الحالي لضمان تشغيل المنظومة بكفاءة.

وتضيف النقابة أن نحو نصف الأطباء المصريين يعملون خارج البلاد، وأن أبرز الأسباب وراء الهجرة تتمثل في ضعف المقابل المادي مقارنة بما يحصل عليه الطبيب في الخارج. وفي ظل الفجوة بين تكلفة الحياة والرواتب داخل القطاع العام، يصبح الاستمرار في الخدمة الحكومية أقل جاذبية، ما يفاقم أزمة التغطية الطبية في المحافظات.

كما توضح النقابة أن المشكلات لا تقف عند حدود نقص الأطباء فقط، بل تمتد إلى نقص الخدمات نتيجة ضعف موازنة قطاع الصحة وتدني الأوضاع المادية للأطباء. وتؤكد النقابة أنه في حال عدم تحسين هذين الملفين فلن يكون هناك تحسن ملموس في مستوى الخدمات الطبية.

موازنة وزارة الصحة… نسبة تحتاج إلى تعزيز

توضح المتحدثات والمتحدثون أن موازنة وزارة الصحة لا تزال دون مستوى الاحتياج؛ إذ تمثل – وفقًا للطرح الوارد – حوالي 4.8% من إجمالي الموازنة العامة للدولة. وتشير المقارنات الدولية إلى أن الإنفاق على الصحة في دول عديدة يتراوح بين 12% و17%، بينما تصل نسب مثل الولايات المتحدة إلى نحو 17%، وتدور في دول أوروبية حول 12%.

ويُذكر أيضًا أن ترتيب مصر في الإنفاق الصحي يأتي في المركز التاسع عربيًا، خلف دول مثل الأردن ولبنان والجزائر وتونس. وتبعًا لذلك، فإن زيادة الاعتمادات المالية ليست هدفًا شكليًا، بل شرط أساسي لضمان استمرارية التشغيل وتغطية الاحتياجات الطبية والأدوية والمستلزمات والأجهزة.

وفي سياق متصل، أشير إلى أن موازنة وزارة الصحة خلال العام المالي الجديد ارتفعت بنسبة 50%، إلا أن القطاع ما زال بحاجة إلى زيادة أكبر لضمان تحسين ملموس في الخدمات، خصوصًا في المناطق التي تعاني من عجز في الكوادر.

أجر الطبيب المصري الأقل… وتأثيره على جودة الخدمة

يؤكد ممثلو الجهات الطبية أن أجر الطبيب المصري يعد من بين الأقل عالميًا، بل وقد يكون أقل من أجور الأطباء في بعض الدول الأفريقية، وفقًا لما ورد في التقديرات. ووفقًا للطرح المذكور، يتقاضى الطبيب الاستشاري بعد 30 عامًا من الخدمة راتبًا يتراوح بين 8 آلاف و8500 جنيه، وهو رقم لا يتناسب – بحسب ما يراه المتحدثون – مع حجم المسؤولية والتبعات المهنية.

وتؤكد النقابة أن تحسن مستوى الخدمات الصحية يحتاج إلى تحسين دخول الأطباء إلى جانب رفع كفاءة منظومة التوزيع والتشغيل. فالطبيب لا يستطيع تقديم الرعاية بالمستوى الأمثل في ظل ضعف الدخل وعدم استقرار الموارد، وهو ما ينعكس على معدل الإقبال وتوافر التخصصات وساعات العمل.

تحدي تشغيل وحدات صحية جديدة بسبب نقص الكوادر

وتشير النائبة سناء السعيد عضو مجلس النواب إلى وجود أزمة لا تتعلق بإنشاء وحدات صحية فقط، بل بقدرة تلك الوحدات على العمل بكامل طاقتها بعد التجهيز. فهناك وحدات شُيدت وفق أحدث الطرز، لكن تشغيلها يظل متعثرًا نتيجة نقص الأطباء والتمريض وبعض التخصصات الطبية.

وتستشهد عضو مجلس النواب بجولات ميدانية في محافظات مختلفة، ومنها محافظة أسيوط التي تضم 17 وحدة صحية. ورغم ذلك، ما يزال توزيع الأطباء يمثل مشكلة؛ حيث يعتمد التشغيل أحيانًا على طبيب أو ثلاثة أطباء في المدن ويتم توزيعهم على أيام مختلفة عبر وحدات متعددة، وهو ما لا يحقق الهدف من إنشاء الوحدات وتقديم خدمة ثابتة للمواطنين.

كما أشارت إلى وجود وحدات لم يتم افتتاحها حتى الآن رغم جاهزيتها، بسبب نقص الكوادر الطبية، مؤكدًة أنها تابعت ملف توزيع الأطباء وخلصت إلى أن الجهود المعلنة لحل الأزمة لم تُنتج نتائج كافية على أرض الواقع.

الأثر على المواطن وتحول الخدمة إلى عبء مالي

في ظل نقص التغطية الحكومية أو صعوبة الحصول على تخصصات بعينها، يجد المواطن صعوبة في تلقي الخدمة الطبية دون اللجوء إلى القطاع الخاص، ما يرفع تكلفة العلاج على محدودي الدخل. وتحذر النائبة من أن تحول بعض الخدمات إلى نمط استثماري قد يوسع الفجوة بين من يملك القدرة على الدفع ومن لا يملك، ويؤدي إلى تدهور فرص العلاج المبكر.

الاستفادة من الوحدات… وإعادة توزيع الموارد البشرية

يشدد المتحدثون على أهمية الاستفادة من الوحدات الصحية التي تم إنشاؤها وتجهيزها، مع إعادة النظر في آليات توزيع الموارد البشرية لضمان تشغيلها الفعلي. وفي هذا الإطار، ورد أن وزير الصحة أشار إلى عدم كفاية الموازنة لحل أزمة نقص أعداد الأطباء في بعض الوحدات ضمن مبادرة حياة كريمة. بالمقابل، تؤكد نقابة الأطباء وجود أعداد كبيرة من الخريجين، ما يستدعي توجيههم بشكل أفضل وربط التعيينات بالاحتياج الفعلي للمحافظات.

وتقترح الاتجاهات الداعية للحلول ضرورة تطبيق نموذج توزيع يعتمد على بيانات دقيقة عن العجز في كل تخصص وفي كل منطقة، مع وضع حوافز لتشجيع الأطباء على العمل في الأماكن الأكثر احتياجًا، مثل المحافظات والقرى التي تعاني من تركز محدود للكفاءات.

وفي المحصلة، فإن الخروج من أزمة نقص الأطباء يتطلب توازنًا بين زيادة الموازنة وتحسين أجور وحوافز العاملين وضمان توفر المعدات والاحتياجات، إضافة إلى إعادة تشغيل الوحدات غير المستغلة عبر سياسات توزيع أكثر عدالة ومرونة. ومع معالجة هذه الملفات معًا، يمكن رفع كفاءة الخدمة الصحية وتقليل معاناة المرضى وتحسين نتائج العلاج.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *