كشفت ناسا المزيد من التفاصيل حول مهمة “أرتميس 3” المقررة لإطلاقها العام المقبل، وهي مهمة تتجه لأن تصبح من أكثر الرحلات الفضائية تعقيداً في تاريخ برنامج الوكالة. ولا تقتصر أهدافها على تسجيل إنجازات جديدة لبرنامج أرتميس فحسب، بل تشمل اختباراً عملياً لمراحل حرجة من خطة العودة إلى القمر، تمهيداً لخطوة أكبر تتمثل في الهبوط المأهول على سطحه.
وبحسب ما ورد في تقارير صحفية متخصصة، ستجري مهمة “أرتميس 3” اختباراً تجريبياً لمركبة “أوريون” (Orion) التابعة لناسا، حيث ستقوم الكبسولة المأهولة بالالتقاء والالتحام مع مركبتَي هبوط قمرّيتين منفصلتين مصممتين لحمل طواقم مستقبلية، وهما: “بلو مون” (Blue Moon) من شركة بلو أوريجين، و”ستارشيب” (Starship) من شركة سبيس إكس. وتبرز هنا أهمية المهمة لأنها تجمع لأول مرة تقريباً في مهمة واحدة متطلبات تنسيق شديدة التعقيد بين أكثر من مركبة، مع اختلاف منصات الإطلاق والبنى التحتية والتجهيزات.
توقيت وإطار المهمة
ستطلق المهمة طاقماً مكوّناً من أربعة أفراد على متن مركبة “أوريون” عبر صاروخ “نظام الإطلاق الفضائي” (SLS) إلى مدار الأرض. وبعد الوصول، ستقوم الكبسولة بالالتقاء ثم إجراء عمليات التحام مع مركبات الهبوط القمرية بشكل تدريجي، حيث تشير الخطة إلى أن عمليات الاقتراب والالتقاء ستستغرق مدة تقارب أسبوعين إجمالاً، تُنفَّذ خلالها مراحل التحقق والتنسيق بين المركبات.
أهمية الاختبار قبل الهبوط المأهول
يأتي الهدف من هذه المهمة بوصفها خطوة تمهيدية مباشرة نحو “أرتميس 4″، التي من المتوقع أن تكون أكثر تقدماً باتجاه الهبوط المأهول على سطح القمر. إلا أن ناسا ترى أن نجاح “أرتميس 3” ضروري لتأكيد جاهزية الأنظمة المشاركة، والتأكد من أن تسلسل العمليات في الفضاء يمكن أن يُنفَّذ بدقة عند الانتقال من مرحلة الاختبار إلى مرحلة الهبوط الفعلي.
لماذا تُعد أرتميس 3 الأكثر تعقيداً؟
وصف جيريمي بارسونز، مدير برنامج أرتميس في تحديث قدمته ناسا، مهمة “أرتميس 3” بأنها “رقصة منسقة” تتطلب تسلسلاً دقيقاً. فالمهمة تتطلب استخدام منصات إطلاق متعددة، وتنفيذ عمليات معقدة على كل من الطواقم الأرضية وعلى أنظمة المركبات في الجو والفضاء. كما تسعى ناسا إلى تحقيق تنسيق متقدم بين جهات متعددة—وهي سمة تزداد تحدياً عندما تكون المركبات المختلفة مرتبطة بجدولة إطلاق صارمة وبمتطلبات موارد وتشغيل متباينة.
وتذكّر هذه المهمة—من حيث فكرة الالتقاء مع أكثر من مركبة قادرة على دعم طاقم—بعض المحطات التاريخية، لكن مع فارق جوهري هو درجة التعقيد المطلوبة. ففي الماضي، حققت مهمات سابقة إنجازات في الالتقاء والاتصال مع مركبات متعددة، إلا أن “أرتميس 3” تجمع عناصر لم تجتمع بهذه الصورة من قبل، مثل التنسيق بين مركبات صُممت لتعمل ضمن نظام هبوط مستقبلي، واختلاف نوعيات الإطلاق والمنشآت والقيود المرتبطة بالموارد اللوجستية والبيئية.
تحديات اللوجستيات والموارد بين الشركات والمنشآت
تتطلب المهمة أن يتم إطلاق كل من “أوريون” و”بلو مون” و”ستارشيب” من صواريخ ومنصات مختلفة في أكثر من موقع. وسيحدث هذا ضمن نطاقات تشغيل مختلفة في مركز كينيدي للفضاء، وقاعدة كيب كانافيرال للقوات الفضائية. لذلك، يتطلب البرنامج تعاوناً وثيقاً بين فرق ناسا وشركات القطاع التجاري لضمان توفر النطاق الزمني المناسب، وضبط القيود المتعلقة بالموارد التشغيلية، بما في ذلك ما يرتبط بتوافر بعض الغازات والمواد الداعمة للعمليات (مثل النيتروجين) على مستوى المرافق والأقاليم التشغيلية.
كما تستدعي المهمة تنسيقاً للعديد من البنى التحتية المتداخلة، بما فيها تجهيزات الإطلاق، وأنظمة تتبع المركبات، وإدارة متطلبات السلامة، وضمان أن كل مركبة تصل إلى المدار في الحالة التشغيلية المطلوبة.
خط سير الإطلاق: 3 مركبات و3 نقاط انطلاق مختلفة
وفقاً للخطة، ستنطلق “بلو مون” أولاً على صاروخ “نيو جلين” (New Glenn) من مجمع الإطلاق الفضائي 36 (SLC-36) في قاعدة كيب كانافيرال، وهو مجمع تستأجره القوات الفضائية. وتوضح ناسا أن “بلو مون” تُعد الأولى بين المركبات الثلاث المرشحة للوصول إلى المدار، وأنها مصممة لتتمكن من البقاء في الفضاء لمدة تصل إلى 30 يوماً. وتوفر هذه النافذة الزمنية مساحة كافية لفحص جاهزية مركبة الهبوط قبل أن يتم الدفع بالخطوة الأهم المتمثلة في ارتباطها بسلسلة إطلاق “أوريون” مع الطاقم.
بعد ذلك، يأتي دور مركبة “أوريون” التي سترتفع بواسطة صاروخ SLS من مجمع الإطلاق 39B في مركز كينيدي للفضاء. وتخطط الخطة لالتقاء “أوريون” مع “بلو مون” في المدار الأرضي المنخفض (LEO)، لتستمر بعدها فترة التحام تُقدّر بحوالي يومين.
ومن ضمن أهداف “أرتميس 3” أن تتيح المهمة لكلا مزودي مركبات الهبوط القمرية فرصة اكتساب بيانات طيران واقعية. لذلك، تؤكد ناسا أن مركبات الهبوط المشاركة في هذه الرحلة ليست بالضرورة هي النسخ النهائية التي تتوقع استخدامها للهبوط الفعلي، بل ستوفر التجربة مساراً لتطوير التصاميم واعتماد التحسينات اعتماداً على نتائج الاختبارات.
أرضية استراتيجية لما بعد أرتميس 3
على الرغم من أن مهمة “أرتميس 3” ليست الهبوط المأهول المباشر بحد ذاتها، فإنها تمثل لبنة محورية في بناء سلسلة مهام متداخلة تحقق تقدماً تدريجياً نحو الهدف النهائي المتمثل في الوجود البشري على سطح القمر. وكلما اقتربت المهمة من تنفيذ مراحل الالتقاء والالتحام وفقاً للجدول، زادت فرصة امتلاك ناسا بيانات كافية لتقليل المخاطر في الرحلة التالية، وصولاً إلى الهبوط المأهول ضمن “أرتميس 4”.
بهذا المعنى، تبدو “أرتميس 3” ليس فقط اختباراً لمركبة “أوريون”، بل أيضاً اختباراً لنظام كامل متعدد الأطراف: مركبات، صواريخ، منصات إطلاق، وبنى تحتية تشغيلية، إضافة إلى تدريب فرق الطيران الأرضية لإدارة سيناريوهات دقيقة في الفضاء خلال فترة زمنية ممتدة.

التعليقات