أكد المهندس طارق الملا، رئيس لجنة الطاقة بمجلس النواب ووزير البترول السابق، أن ملف الطاقة عاد إلى صدارة النقاشات العالمية، باعتباره المحرك الأساسي للاقتصاد الحديث، ومشدّدًا على أن أي تغيّرات في أسواق الطاقة العالمية تنعكس مباشرة على مصر وعلى مختلف القطاعات الإنتاجية وعلى رأسها الصناعة والزراعة.
وأوضح الملا خلال حديثه مع الإعلامي نشأت الديهي في برنامج “بالورقة والقلم” على فضائية “Ten” أن ما يشهده العالم من توترات وصراعات—وخاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية والحرب الأمريكية الإيرانية—أدى إلى اضطراب سلاسل الإمداد ورفع أسعار الطاقة والمواد الخام، بما انعكس على أسعار السلع الاستراتيجية، وفي مقدمتها القمح. وأشار إلى أن ارتفاع تكلفة الطاقة لا يتوقف عند قطاع الوقود فقط، بل يمتد إلى تكلفة الإنتاج في المصانع وإلى تكاليف النقل والتخزين، ما يجعل تأثيره شاملًا على مستويات الأسعار والقدرة الشرائية.
وبيّن الملا أن ارتفاع أسعار الوقود المستورد دفع بعض الدول إلى تبنّي سياسات ترشيد قاسية وتقليص نشاط صناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، نتيجة زيادة التكلفة وضعف هامش الربح، وهو ما انعكس بدوره على معدلات المنافسة العالمية للأسواق والمنتجات. كما لفت إلى أن بعض الدول الأوروبية اضطرت إلى إعادة تشغيل محطات توليد الكهرباء العاملة بالفحم خلال فترات التحديات، كحل مرحلي لمواجهة نقص الطاقة وارتفاع تكلفتها، وهو ما يؤكد حجم ارتباط أمن الطاقة باستقرار الاقتصاد.
وتناول الملا كذلك توجه روسيا نحو توقيع اتفاقيات طويلة الأجل في قطاع الطاقة، بما يضمن استمرارية التدفقات ويفتح مسارات جديدة للأسواق بعد القيود الأوروبية، مشيرًا إلى أن دخول أسواق مثل الصين والهند يعكس حجم التحول في خريطة الطلب العالمية على الطاقة، وأن الصين تُعد قوة اقتصادية كبرى ومنافسًا رئيسيًا للولايات المتحدة في عدة قطاعات.
وفي سياق الحديث عن مستقبل الصناعة والتكنولوجيا، شدد المهندس طارق الملا على أهمية التوسع في مجال العناصر الأرضية النادرة، باعتبارها مكوّنًا جوهريًا في صناعات متعددة تمثل قاعدة للمرحلة القادمة، خصوصًا الصناعات المرتبطة بأشباه الموصلات ومراكز البيانات والتقنيات الحديثة كالبطاريات ومحركات الأنظمة عالية الكفاءة. وذكر أن العالم مقبل على طفرة صناعية وتقنية تعيد ترتيب سلاسل التوريد وتزيد الطلب على المواد الخام اللازمة للتصنيع.
وأضاف الملا أن المنافسة العالمية خلال المرحلة المقبلة لن تقتصر على مصادر الطاقة أو الإنتاج التقليدي فقط، بل ستتجه بقوة إلى البيانات والذكاء الاصطناعي، لافتًا إلى أن مراكز البيانات تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء، وأن نمو خدمات الحوسبة السحابية ومنصات الذكاء الاصطناعي سيزيد الحاجة إلى بنية كهربائية أكثر كفاءة وقدرة واستدامة. ومن هنا تصبح الطاقة—بمصادرها وتوليدها وتوزيعها—عاملًا حاسمًا في دعم التقدم العلمي والاقتصادي.
ولتعزيز استقرار الإمداد ورفع الكفاءة، أشار الملا ضمنيًا إلى أن التحول نحو تخطيط أكثر مرونة لسوق الطاقة، وتوسيع الاستثمار في قدرات توليد الكهرباء، وتقليل الاعتماد على الاستيراد في المجالات الممكنة، سيظل عنصرًا أساسيًا لامتصاص الصدمات العالمية. كما أن تحسين كفاءة استخدام الطاقة في الصناعة وترشيد الاستهلاك في قطاعات مثل التبريد والصناعات كثيفة الاستخدام يمكن أن يساهم في تقليل أثر التقلبات السعرية، ويعطي الاقتصاد قدرة أعلى على المنافسة.
في الخلاصة، يرى طارق الملا أن الطاقة لم تعد مجرد قطاع خدمي أو اقتصادي منفصل، بل أصبحت محورًا مؤثرًا في أمن الغذاء والصناعة والتكنولوجيا، ومع تسارع نمو البيانات والذكاء الاصطناعي، فإن الطلب على الكهرباء يتجه نحو مزيد من الارتفاع، ما يجعل الاستثمار في الطاقة وكفاءتها أولوية استراتيجية خلال السنوات المقبلة.

التعليقات