كشف الدكتور يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق، خلال حديثه مع الإعلامية لميس الحديدي، تفاصيل عن طبيعة علاقته بالرئيس الأسبق حسني مبارك في بدايات توليهما المسؤولية، مؤكداً أن تلك العلاقة لم تكن وثيقة منذ اللحظة الأولى، بل احتاجت إلى وقت حتى يقتنع به الرئيس. وأوضح غالي أن أحد أسباب المسافة الأولية كان فارق السن والواقع السياسي آنذاك، لافتاً إلى أنه كان أصغر وزير في الحكومة عندما تسلم منصبه، إذ تولى المسؤولية وهو في التاسعة والثلاثين من عمره.
وأشار غالي إلى أن أسلوبه داخل اجتماعات الحكومة اتسم دائماً بالوضوح والمصارحة، موضحاً أنه كان يحرص على التعبير عن رأيه بصراحة حتى لو أثار ذلك استغراب بعض الوزراء. وقال إنه كان يشارك في النقاشات من دون تردد، مؤكداً: “كنت في الاجتماعات بقول رأيي”.
وأضاف أن بعض الوزراء الذين يجلسون إلى جانبه كانوا يحاولون كبح صراحته، عبر تعبيرات مباشرة غير مكتوبة، حيث ذكر أن الوزير الموجود بجواره كان يقوم “بخبطه من تحت الترابيزة” طالباً منه السكوت حتى لا يزعج الأجواء. ومع ذلك، شدد غالي أن اعتراضاته لم تكن بهدف معارضة الأشخاص أو تعطيل القرارات، بل كانت تتعلق فقط بالحالات التي يرى فيها أن هناك نقطة تحتاج إلى نقاش أو إعادة تقييم.
وبحسب روايته، كانت طريقة حسم الأمور تتم غالباً عبر توافق سريع ظاهري، مشيراً إلى أنه عندما يجري الاتفاق على مبدأ القرار يقول الرئيس: “موافقين؟” فيجيب البعض بنعم، ثم يوضح غالي أنه كان يعترض إذا شعر بوجود خلل: “لأ يا ريس في حاجة مش ماشية”. وهنا تتغير الديناميكية من موافقة عامة إلى مناقشة أعمق، بما يعكس دوره كصاحب رأي يراجع التفاصيل بدلاً من الاكتفاء بالشكل العام.
وأكد يوسف بطرس غالي أنه لم يشعر يوماً بالندم على إبداء رأيه، وفسر ذلك بمنطق مسؤولية منصبه وحدود دوره داخل الحكومة. وقال إن طبيعة وجوده في التشكيل الوزاري كانت واضحة في ذهنه، وأنه لا يملك رفاهية الصمت غير المؤسس، فاعتبر أن دوره هو تقديم “الكلمتين” اللتين يمكن أن تسهم في تحسين القرار؛ فإن نفع كان ذلك محموداً، وإن لم ينفع فقد أدّى ما عليه دون تحميل نفسه تبعات قرارات لا يملك تغييرها بالكامل.
ومن بين الأسباب التي جعلته لا يخشى التعبير عن آرائه، أنه كان يتوقع ألا تستمر مسيرته الوزارية طويلاً. وأضاف أنه بنى توقعه على نمط شائع في تلك الفترة، حيث كان الاعتقاد السائد أن الوزير المسيحي غالباً ما يحصل على منصب يقعد فترة قصيرة ثم يغادر، سواء كانت وزارة هجرة أو بيئة أو غيرها من الحقائب المرتبطة بالتصور الاجتماعي لتوازنات التشكيل. لذلك، عبّر غالي عن رغبته في أن يترك أثراً أخلاقياً وفكرياً من خلال أداء دوره وعدم الاكتفاء بدور شكلي، معتبراً أن قول الرأي وإتاحة المناقشة أفضل من الاقتصار على “الوظيفة” لمجرد البقاء.
وربط غالي بين صراحته وبين الجدل الذي كان يرافقها داخل الحكومة، موضحاً أن رأيه لم يكن يمر مرور الكرام، بل كان “مزعجاً طوال الوقت” بالنسبة للبعض. ومع ذلك، عكس هذا الجدل—بحسب ما يرويه—نمطاً من التفكير غير المتردد، حيث لا يكتفي الوزراء أو المسؤولون بإعادة إنتاج القناعات القائمة، بل يختبرون القرارات بالمنطق والتفصيل.
ولزيادة الفهم حول سياق كلامه، يمكن القول إن الصراحة المؤسسية داخل اجتماعات الحكومة لا تعني بالضرورة الصدام، لكنها تخلق مساحة للمراجعة قبل اتخاذ القرار النهائي. وفي حالة يوسف بطرس غالي، تبدو فلسفة اعتماده على “التحقق من أن الأمور تمشي” أكثر من كونه يركز على المعارضة، وهو ما جعله—وفق روايته—يعتبر أن المناقشة الصادقة جزء من المسؤولية المهنية لا مغامرة شخصية.
وفي النهاية، يلخص غالي تجربته باعتبارها توازن بين احترام الموقع القيادي والحفاظ على حقه في طرح ما يراه صحيحاً. فرأيه—كما يقدمه—لم يكن مجرد موقف لحظي في اجتماعات عابرة، بل سلوكاً متسقاً قائمًا على قناعة بأن الشخص داخل المنظومة عليه واجب أخلاقي ومهني في إبداء الرأي عند وجود ما يستحق التدقيق أو إعادة النظر.

التعليقات