قدّم الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، رواية مفصلة عن أزمة تمويل سفر أعضاء هيئة التدريس للمشاركة في المؤتمرات العلمية الدولية، مؤكدًا أن استمرار تطبيق قرار ترشيد السفر الذي صدر منذ سنوات أدى إلى انتقال العبء المالي إلى الباحثين أنفسهم. وأشار إلى أن الحاجة أصبحت ملحّة لوضع آليات أكثر استدامة لدعم البحث العلمي، بدلًا من الاقتصار على تقييد السفر تحت بنود “الضرورة القصوى”.
وأوضح نور الدين خلال مداخلة ببرنامج «اليوم هنا القاهرة» الذي يُعرض على قناة مودرن وتقدمه الإعلامية فاتن عبد المعبود، أن جامعة القاهرة أبلغته بأنها لن تتحمل نفقات سفره للمشاركة في مؤتمر علمي دولي، تنفيذًا لقرار رئيس مجلس الوزراء الساري، والذي يقضي بعدم دعم سفر أعضاء هيئة التدريس للمؤتمرات الخارجية. وأضاف أن الرسالة التي قيلت له كانت مباشرة: “لو عايز تسافر.. سافر على حسابك”.
وبين نور الدين أن العام الماضي جاءته دعوة من منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) للمشاركة في جمعيتها العمومية العلمية، مشيرًا إلى أنه كان الباحث الوحيد المختار من المنطقة العربية ضمن مجموعة المشاركين في المؤتمر الموسع للمنظمة. ولفت إلى أن رئيس جامعة القاهرة شجعه على السفر وطمأنه بأن الجامعة ستدبّر التكاليف بعد عودته، لكنه فوجئ بعد رجوعه باعتذار رئيس الجامعة لعدم القدرة على توفير أي مخصصات مالية.
وأكد الدكتور نور الدين أنه تحمّل جميع تكاليف السفر والإقامة من ماله الخاص. وبيّن أن ما أنفقه على المشاركة كاد يساوي مكافأة نهاية خدمته بعد 40 عامًا في الجامعة، موضحًا أن هذه التجربة كانت نقطة مفصلية وراء الحديث عن أزمة تمويل مشاركة الباحثين المصريين في المؤتمرات الدولية.
وأشار إلى أن قرار ترشيد السفر يعود إلى نحو خمس سنوات، في ظل أزمة نقص العملة الأجنبية، حيث ينص القرار على عدم مساهمة الجامعات في نفقات سفر أعضاء هيئة التدريس لإلقاء الأبحاث في المؤتمرات الدولية، مع السماح بالسفر فقط إذا لم تتحمل الجامعة أي أعباء مالية. وأوضح أن هذا القرار يُجدَّد سنويًا، ما يجعل أثره مستمرًا ويؤثر مباشرة على قدرة الباحثين على التواجد في المحافل العلمية.
كما شدد على أن الباحثين لا يحصلون على تمويل من الدولة بالدولار أو اليورو، وأنهم يتحملون تدبير العملة الأجنبية قبل السفر من مواردهم الشخصية، بينما قد تُرد المستحقات لهم بالجنيه المصري بعد العودة “إن وجدت”. واعتبر أن الحديث عن أن تمويل سفر الباحثين عبء على الاحتياطي النقدي يظل غير دقيق، مؤكدًا أن الدولة لا توفر العملة الصعبة للباحثين المشاركين، وأن المستحقات تُصرف عادة بالجنيه.
وفي إطار طرحه لحلول عملية، دعا نور الدين إلى إنشاء صندوق دائم لدعم الباحثين، واقترح أن تتولى جهات مؤسسية وشركاء تمويل من القطاع الخاص—مثل البنوك وشركات الطيران ورجال الأعمال وشركات الاستثمار—دعم هذا الصندوق. وأكد أن النموذج قائم في جامعات عالمية، وأنه يسهم في ضمان مشاركة الباحثين وتمويل أنشطة علمية لا ترتبط بسنة مالية واحدة أو بقيود ترشيد متغيرة.
وأضاف أن الشراكات مع القطاع الخاص، إلى جانب التعاون مع الاتحاد الأوروبي، يمكن أن توفر تمويلًا للأبحاث والمشروعات العلمية المشتركة. وذكر أنه طرح فكرة صندوق لدعم الباحثين وشباب أعضاء هيئة التدريس، وأن رئيس جامعة القاهرة رحّب بها ووصفها بأنها جيدة، مشيرًا إلى أن الصندوق المقترح سيساعد طلاب الدكتوراه والمدرسين الجدد على المشاركة في المؤتمرات والأنشطة العلمية، وهو ما ينعكس على بناء قدراتهم البحثية وربطهم بالشبكات العلمية الدولية.
وأكد نور الدين أن استمرار تفسير ضوابط السفر تحت بند “الضرورة القصوى” قد يؤدي فعليًا إلى تقليص مشاركة الباحثين المصريين في المؤتمرات الدولية. ورأى أن التفسير العملي للبند قد يترجم إلى رسالة ضمنية للباحث مفادها: “لا داعي للمشاركة، وغيابك لن يؤثر”.
وشدد في ختام حديثه على أن حضور المؤتمرات العلمية ليس رفاهية، بل عنصر جوهري في منظومة البحث العلمي؛ لأنه يتيح للباحثين عرض أبحاثهم، والتعرّف على أحدث التطورات، وبناء شراكات علمية قد تتحول إلى مشاريع مشتركة. كما ينعكس ذلك على تطوير الجامعات المصرية وتحسين تصنيفها الدولي، معتبرًا أن دعم المشاركة في المحافل الدولية استثمار في المكانة العلمية لمصر وليس مجرد إنفاق على السفر.
وتأتي هذه التصريحات بعد منشور كتبه نور الدين على حسابه في “فيسبوك” تحدث فيه عن أزمة ترشيد نفقات الجامعات، مشيرًا إلى أن الجامعة تعجز “عن تدبير نحو ألف وخمسمائة دولار نفقات السفر والإقامة” مقابل مشاركته في مؤتمر منظمة الأغذية والزراعة المقرر في الدنمارك لمدة ثلاثة أيام في سبتمبر القادم، وهو ما أثار استياءً في الوسط العلمي.
ومن منظور التطوير المؤسسي، يمكن توسيع فكرة الصندوق الدائم لتشمل آليات واضحة للحوكمة وتحديد الأولويات، مثل دعم الباحثين وفق معايير جودة البحث، وتحديد نسب تمويل للمؤتمرات ذات العائد العلمي المباشر (مثل تقديم أوراق بحثية محكّمة أو المشاركة في لجان/جلسات علمية)، إضافة إلى توفير مسارات تمويل للشباب وطلاب الدكتوراه. وبهذا تصبح مشاركة الباحثين الدولية جزءًا من خطة علمية مستدامة، لا ربطًا بالاستثناءات أو بالموافقات المتقطعة، بما يحافظ على حضور مصر في المشهد العلمي العالمي ويعزز أثر البحث العلمي داخل الجامعات.

التعليقات