أكدت السيناريست والناقدة الفنية دعاء حلمي أن أغاني المهرجانات لا يمكن اختزالها في وصفٍ سطحي مثل “الضوضاء”، مشيرةً إلى أنها تمثل ظاهرة فنية حقيقية فرضت نفسها على المشهد الغنائي خلال فترة زمنية محددة. وفي رأيها، فإن قوة هذه الموجة لا تُقاس بمجرد حداثتها أو انتشارها السريع، بل بمدى قدرتها على اجتياز اختبار الزمن، حيث ستخضع مع مرور الوقت لعملية “فرز طبيعي” تحدد ما يستمر في الذاكرة وما يزول.
المشهد الغنائي يتغير عبر موجات متعددة
وفي حديثها ضمن برنامج “خط أحمر” المذاع على قناة “الحدث اليوم”، أوضحت حلمي أن الساحة الفنية شهدت تاريخيًا موجات غنائية كثيرة حققت انتشارًا واسعًا خلال فترات معينة، ثم تراجعت تأثيراتها لاحقًا مع ظهور أعمال جديدة أكثر قابلية للاستمرارية. واعتبرت أن ما يحدث مع المهرجانات ليس استثناءً، بل جزءًا من طبيعة تطور السوق الفني وتغير ذائقة الجمهور ووسائل التلقي.
وأشارت إلى أن صعود أي لون غنائي غالبًا ما يرتبط بظروف اجتماعية وثقافية ولحظة تاريخية بعينها، بما في ذلك أساليب الإنتاج وسرعة انتشار المحتوى عبر المنصات المختلفة. لكن هذه العوامل، حتى إن ساعدت على انتشار العمل في البداية، لا تكفي وحدها لصنع إرث فني طويل الأمد.
ماذا يحدد الاستمرار؟ الجمهور والزمن
وشددت الناقدة الفنية على أن الجمهور يظل الحكم النهائي في تقييم الأعمال الفنية. فالجمهور هو الذي يمنح الأغاني فرصة البقاء والانتشار إذا وجد فيها قيمة مضافة—سواء من ناحية الإيقاع واللحن أو أسلوب الأداء أو قوة النص—كما أنه في المقابل قد يدفعها إلى التراجع والاختفاء إن لم تقدم مضمونًا قادرًا على الصمود أمام الزمن.
وتعني هذه الفكرة أن الاستمرارية لا ترتبط فقط بنسبة المشاهدة أو الانتشار لحظيًا، بل بقدرة الأغنية على إعادة إنتاج نفسها في ذاكرة المستمعين: هل تعيش في المناسبات؟ هل تتحول إلى جزء من ثقافة الغناء اليومي؟ وهل تتكرر الاستماعات عليها بعد مرور الموسم الذي ظهرت فيه؟
بين “مواكبة الموضة” والمنتج الفني المتين
وبحسب حلمي، أثبت التاريخ أن الفن الجيد هو ما يحافظ على مكانته في ذاكرة الجمهور، بينما تتلاشى الأعمال التي تعتمد على الانتشار السريع أو “مواكبة الموضة” دون امتلاك عناصر فنية متماسكة. فالأغنية التي تُبنى فقط على الضجيج أو على صدمة الشكل قد تنجح في لفت الانتباه مؤقتًا، لكنها تواجه صعوبة في تحقيق حضور طويل إذا غابت عنها الحرفة الفنية أو عمق الفكرة أو الاتساق بين الكلمات والإيقاع.
وأضافت الناقدة أن التقييم لا يقوم على معيار واحد، بل على تفاعل مجموعة عناصر، مثل جودة الكتابة الموسيقية، وتماسك التوزيع والإخراج الصوتي، وقوة الأداء، وقدرة العمل على مخاطبة جمهور أوسع من دائرة “الترند” لحظة إطلاقه.
فرز طبيعي يُعيد تشكيل المشهد
وخلاصة طرح دعاء حلمي أن المهرجانات—رغم قبولها كظاهرة—تظل خاضعة للفرز الزمني مثل غيرها من الموجات الغنائية. ومع الوقت، يصبح واضحًا أي الأعمال تمتلك مقومات الاستمرار، وأيها سيغادر المشهد لتفسح المجال لتيارات جديدة أكثر نضجًا فنيًا أو أكثر قدرة على الاندماج في الذاكرة الجماهيرية.
وبذلك تتحول المسألة من سؤال: “هل هي ضوضاء أم فن؟” إلى سؤال أعمق: “ما الذي يمنح الأغنية عمرًا أطول؟” وهو سؤال يجيب عنه التاريخ في النهاية من خلال اختبار الجمهور والزمن.

التعليقات