أكدت فيكي برايس، كبيرة المستشارين الاقتصاديين في مركز البحوث الاقتصادية، أن التوترات الجيوسياسية الراهنة أصبحت عامل قلق مباشر على مستقبل النمو الاقتصادي في بريطانيا. وأشارت إلى أن المملكة المتحدة تواجه عبئاً مالياً متراكماً تراكم على مدى عقود، وأن اتساع نطاق عدم اليقين الاقتصادي—بما يشمل المخاطر المرتبطة بالأسواق والطاقة وسلاسل الإمداد—يرجّح مزيداً من التباطؤ في النشاط، وهو ما يضع رئيس الوزراء المقبل أمام حزمة تحديات متشابكة.
ولفتت برايس إلى أن ارتفاع كلفة الاقتراض انعكس على ميزانية الدولة وعلى الضرائب المحصلة، حيث باتت موارد كبيرة تُوجَّه لتغطية خدمات الدين وسداد الالتزامات المالية. وذكرت أن هذا الضغط لا يقتصر على بند الدين وحده، بل يمتد إلى قدرة الحكومة على تمويل الخدمات العامة دون تقليصات مؤلمة.
وأضافت أن استثمارات القطاع الخاص تعرضت لضربة متتابعة خلال السنوات الماضية. فمنذ الأزمة المالية العالمية، شهدت بريطانيا فترات من التشدد الضريبي والقيود التنظيمية التي حدّت من شهية المستثمرين، ثم جاءت تداعيات الخروج من الاتحاد الأوروبي لتزيد من حالة الترقّب والانتظار لدى الشركات. وبعد ذلك، ضاعفت جائحة كورونا من ضغوط التكاليف واضطرابات التوظيف والإنتاج، تلتها آثار الحرب في أوكرانيا التي رفعت كلفة الطاقة والتأمين وشحنت تكاليف النقل والإمداد، قبل أن تضاف في النهاية التوترات الراهنة مع إيران وما قد تسببه من تقلبات إضافية في أسعار الطاقة والأسواق العالمية.
وترى برايس أن هذه السلسلة من الصدمات دفعت بريطانيا إلى مواصلة الاقتراض على نطاق واسع، ما يجعل أي محاولة لخفض العجز أو التحكم في الدين أكثر صعوبة. كما شددت على أن تقليص الإنفاق الحكومي يظل مهمة بالغة التعقيد، خصوصاً في ظل مؤشرات ديموغرافية تتمثل في تزايد أعداد كبار السن، وفي استمرار الحكومة في تقديم خدمات أساسية كالرعاية الصحية والتعليم والدعم الاجتماعي.
وأوضحت أن صعوبة خفض الإنفاق تتعاظم أيضاً بسبب وجود فئات تعتمد على المنافع المرتبطة بالإعاقة أو ظروف صحية مزمنة، إضافة إلى التزامات الدولة تجاه المرضى والمستفيدين. وعليه، فإن أي سياسة تقشفية قد تصطدم بتحديات اجتماعية وسياسية وقانونية، فضلاً عن أثرها المحتمل في الطلب المحلي واستدامة النمو.
وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي تزايد الكلفة المالية للدين إلى تقييد مساحة المناورة أمام الحكومة لتمويل مشاريع البنية التحتية والتحول الاقتصادي وتعزيز الإنتاجية. وفي ظل ارتفاع عدم اليقين، قد تتأخر قرارات التوظيف والتوسع لدى القطاع الخاص، ما يزيد من خطر استمرار ضعف النمو. لذلك، شددت برايس على أن رئيس الوزراء المقبل يحتاج إلى موازنة دقيقة بين إدارة الدين وضمان تمويل الخدمات الحيوية، وبين إعادة بناء بيئة مواتية للاستثمار عبر استقرار السياسات وتخفيف العوائق الضريبية والتنظيمية.
وفي الخلاصة، ترى برايس أن التحدي الأساسي لا يتمثل في قرار واحد سريع، بل في مسار متكامل يستهدف الحد من مخاطر عدم اليقين، ورفع كفاءة الإنفاق، وتحسين شروط الاستثمار، مع الحفاظ على شبكة الأمان الاجتماعي في وقت تواجه فيه بريطانيا ضغطاً مزدوجاً من ارتفاع الدين وكلفة الاقتراض.

التعليقات