تتجه الدولة إلى إعادة تنظيم المشهد الرياضي المصري عبر حزمة إجراءات تستهدف تحويل المكاسب التي حققها منتخب مصر في كأس العالم 2026 إلى واقع مستدام على مستوى الأندية والمنتخبات. وفي ظل التحديات التي تراكمت لسنوات، تركز الخطة الجديدة على معالجة ملفات الأزمات المزمنة، وإعادة بناء قواعد المنافسة محليًا، بما يضمن انتقال الرياضة المصرية إلى مستوى أكثر حضورًا وتأثيرًا إقليميًا ودوليًا.
في هذا السياق، كشفت وزارة الشباب والرياضة عن ملامح حلول لعدد من القضايا المعقدة، أبرزها أزمة أرض نادي الزمالك، إلى جانب توجه لإعادة هيكلة بعض الأندية التي تعاني من تعثر مالي، استعدادًا لمرحلة تعتمد على الاستدامة المالية وإطلاق شراكات استثمارية مدروسة. وتؤكد الوزارة أن الهدف لا يقتصر على “إطفاء” الأزمات، بل يشمل بناء منظومة أكثر قدرة على المنافسة، وتحقيق طموحات الجماهير المصرية التي ارتفعت سقفها بعد الإنجاز التاريخي للمونديال.
وجاءت هذه التوجهات ضمن مناقشات على مستوى الحكومة حول مستقبل المنتخبات الوطنية وخطط الإعداد للمرحلة المقبلة. فقد أوضح محمد الشاذلي، المتحدث الرسمي باسم وزارة الشباب والرياضة، أن اجتماع رئيس مجلس الوزراء مع وزير الشباب والرياضة تناول ملف المنتخب المصري ضمن أولويات المرحلة، إلى جانب وضع مسارات لإعداد المنتخبات الأخرى. كما تم التأكيد على أهمية الحفاظ على المستوى الذي ظهر به الفريق خلال كأس العالم 2026، مع العمل على رفع الأداء وتثبيت المكتسبات الفنية.
ومن المقرر أن يبدأ المنتخب الوطني معسكرًا خلال شهر سبتمبر المقبل استعدادًا لخوض تصفيات بطولة كأس الأمم الأفريقية، ضمن برنامج يراعي الجاهزية البدنية والخطط التكتيكية والانسجام بين عناصر التشكيل. ويأتي هذا التحضير في إطار رؤية أشمل لا ترتبط بالمواعيد فقط، بل تهدف إلى إدارة الاستحقاقات بشكل يضمن تقليل الهزات وتحسين الاستمرارية.
على مستوى الأندية، شدد المتحدث الرسمي على أن الدولة ركزت خلال السنوات الماضية على دعم أندية الشركات، إلا أن غياب القواعد الجماهيرية الفاعلة داخل منظومة هذه الأندية أثر بصورة غير مباشرة على طبيعة المنافسة في المشهد الكروي عمومًا. لذلك، تتجه الخطة إلى إعادة الاعتبار لدور الجماهير من خلال تعزيز هوية الأندية الجماهيرية، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في تطوير كرة مصر، وتحسين العائدات، ودعم الاستقرار الرياضي.
وفي ملف الأندية المتعثرة، تم طرح توجهات تهدف إلى معالجة جذور الأزمة المالية وليس مظاهرها فقط. ومن أبرز الخطوات المرتبطة بهذا المسار الإشارة إلى دمج ناديي إنبي والشرقية كخيار استراتيجي لمعالجة الأوضاع المالية، مع العمل على سداد المديونيات القديمة وتهيئة بيئة تشغيل أكثر استقرارًا. ويُفهم من هذا التوجه أن الهدف النهائي هو الوصول إلى نماذج مالية وإدارية تقلل الاعتماد على الدعم المؤقت، وتدعم القدرة على التخطيط طويل الأجل.
وبالنسبة لأزمة أرض نادي الزمالك، كشف الشاذلي عن وجود مرونة من جانب نادي الزمالك وهيئة الأوقاف للتوصل إلى تسوية نهائية. وترتكز المقترحات على إقامة شراكة استراتيجية تحقق مصالح جميع الأطراف، بما يضمن تحويل الملف من حالة تعطل طويلة إلى مسار تسوية واضحة ومحددة المراحل. ووفقًا للرؤية الجاري دراستها، تشمل الشراكة تصورًا لإشراك عدد من الشركات في المشروع، بما يساعد على توفير تدفقات مالية مستدامة للنادي.
وتتضمن الخطة كذلك ضمان حقوق هيئة الأوقاف وضمان حصولها على مستحقاتها، بما يعزز ثقة الأطراف ويقلل احتمالات استمرار النزاع. كما يُتوقع أن تساهم هذه الخطوة في إنهاء أحد أبرز الملفات العالقة التي أثقلت كاهل النادي خلال السنوات الماضية، وفتح المجال أمام الزمالك لبناء خططه الاستثمارية والرياضية في بيئة أكثر وضوحًا.
بوجه عام، ترتكز الخطة على محورين متكاملين: الأول يرتبط باستعادة الاستقرار المالي والإداري للأندية الجماهيرية من خلال تسويات وشراكات مدروسة، والثاني يرتبط بتطوير منظومة المنتخبات الوطنية عبر برامج إعداد مستمرة للبطولات القارية والدولية. ومع ارتفاع سقف الطموحات بعد إنجاز كأس العالم 2026، تتجه الدولة إلى تأكيد رسالة واضحة للجماهير: لا عودة إلى “منطقة الأزمات”، بل انتقال إلى نموذج تنافسي أكثر تنظيمًا وقدرة على استيعاب المستقبل.

التعليقات