رغم موجة الارتفاعات التي شهدها الذهب خلال الفترة الماضية، ما زال المتعاملون يراقبون عن كثب مساره القادم، خصوصًا مع استمرار تأثير التوترات الاقتصادية والجيوسياسية على الأسواق العالمية، إلى جانب التحولات المرتبطة بالسياسات النقدية في عدد من الدول الكبرى. وفي ظل هذه المعطيات، يرى خبراء وتجار أن المعدن النفيس لم يستنفد بعد كامل إمكاناته السعرية، مع ترجيح تسجيل مستويات أعلى خلال الفترة المتبقية من عام 2026، وهو ما يعيد فتح ملف فرص الاستثمار والادخار عبر الذهب.
خلال 2025، شهد الذهب قفزة استثنائية لافتة، إذ أكد المهندس هاني ميلاد، رئيس شعبة الذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية، أن قطاع الذهب من القطاعات ذات القيمة الاقتصادية الكبيرة، وأن توسيع الصناعات المرتبطة بالتعدين يعد ضرورة لتعظيم العائد على الاقتصاد الوطني وتقوية سلاسل التوريد المحلية. وأشار إلى أن أسعار الذهب في 2025 ارتفعت بنسبة اقتربت من 65%، وهي زيادة وصفها بأنها غير معتادة، لافتًا إلى أن تكرار هذا المستوى من الارتفاع في كل السنوات أمر غير واقعي بالنظر لطبيعة حركة الأسواق وتباين العوامل المؤثرة.
وفيما يتعلق بعوامل تحرك الأسعار خلال 2026، شدد هاني ميلاد على أن الذهب تأثر بمجموعة من المتغيرات الدولية، يأتي في مقدمتها التوترات الجيوسياسية وتفاوت مستويات التضخم عالميًا، إضافة إلى تغير توقعات المستثمرين حول مسار أسعار الفائدة. كما أن ارتفاع أسعار النفط قد يمثل عاملًا مؤثرًا على سلوك الأسواق، لأنه يعيد تشكيل توقعات النمو والإنفاق والتضخم، وهو ما ينعكس بدوره على الطلب على الذهب بوصفه ملاذًا استثماريًا.
من جهته، أوضح الدكتور ناجي فرج، الخبير في صناعة وأسواق الذهب ومستشار وزير التموين الأسبق، أن استمرار أي حالة من الاستقرار النسبي في المنطقة، إلى جانب تعزز عوامل دعم الطلب عالميًا، قد يفتح الباب أمام جولة جديدة من الارتفاعات. وأضاف فرج أن الأوقية شهدت بالفعل زيادة تقارب 100 دولار خلال الساعات الأخيرة، وهو ما ساهم في تحريك السوق المحلية.
وعلى المستوى المحلي، انعكس الارتفاع على سعر جرام الذهب عيار 21، حيث صعد من حوالي 5650 جنيهًا إلى قرابة 5750 جنيهًا، بزيادة بلغت نحو 100 جنيه للجرام. ويؤكد هذا التحرك أن السوق المصرية ما زالت تتفاعل بقوة مع حركة السعر عالميًا، وأن أي تغيرات في تسعير الأوقية أو اتجاهات الدولار وعوائد السندات قد تظهر بسرعة على الأسعار داخل السوق.
وحول توقعات نهاية العام، رجح ناجي فرج أن يواصل الذهب صعوده بصورة تدريجية حتى نهاية 2026، مع احتمال الوصول إلى مستويات قياسية إذا استمرت العوامل الداعمة لأسعار المعدن الأصفر. كما شدد على أن الذهب يظل من أهم أدوات الحفاظ على قيمة الأموال خلال فترات التقلبات الاقتصادية، خصوصًا للأفراد الذين يبحثون عن بديل استثماري أكثر استقرارًا مقارنة ببعض الأصول ذات الحساسية العالية لتغيرات السوق.
ولتعزيز الاستفادة من هذا الاتجاه، قدّم الخبير نصيحة عملية للمواطنين تتمثل في شراء الذهب كلما توفرت السيولة المالية، معتبرا أن الأسعار الحالية قد تكون مناسبة مقارنة بالسيناريوهات المتوقعة. كما دعا إلى اعتماد استراتيجية احتفاظ على المدى الطويل بدلًا من التسرع في قرارات الشراء أو البيع بناءً على تحركات يومية فقط، لأن طبيعة الذهب تتسم غالبًا بتدرج واضح في الاتجاهات الكبرى.
وبالرغم من الارتفاعات المتوقعة، لا بد من فهم أسباب التقلبات الأخيرة: فقد أوضح ناجي فرج أن التراجع الذي حدث في بعض الفترات جاء نتيجة ضغوط بيعية على الأسواق العالمية، إضافة إلى ما أظهرته بعض البنوك المركزية من احتياج إلى توفير سيولة، ما دفعها إلى بيع جزء من احتياطياتها من الذهب. وتُعد هذه العوامل جزءًا من ديناميكية السوق التي قد تغير اتجاه الأسعار لفترات قصيرة قبل أن تعود العوامل الأساسية للطلب إلى الواجهة.
وفي الخلاصة، تشير المؤشرات الحالية إلى احتمال عودة الذهب لمسار الصعود قبل نهاية العام، لكن مع توقع حدوث تذبذبات على المدى القريب. لذلك، ينصح الراغبون في الاستثمار بمتابعة تطورات السوق بانتظام، ومواءمة قرارات الشراء مع القدرة المالية والأهداف، سواء كانت رغبة في ادخار طويل الأجل أو تنويع محفظة استثمارية لحماية القيمة في ظل تغيرات الاقتصاد العالمي.

التعليقات