رغم أن فكرة “خفض سطوع الشمس” تبدو أقرب إلى الخيال العلمي، عادت إلى دائرة البحث العلمي بقوة بعد أن ناقشت دراسة حديثة منشورة في دورية Science Advances إمكانية استخدام تقنية تُعرف باسم تفتيح السحب البحرية للتخفيف من آثار ظاهرة النينيو. ويُنظر إلى النينيو باعتبارها أحد أبرز أنماط التذبذب في المحيط الهادئ، والتي قد تؤدي خلال السنوات القادمة—بحسب توقعات علمية—إلى موجات حر أشد، وأمطار أكثر تطرفًا في مناطق، وجفاف أو اضطراب في أنماط هطول الأمطار في مناطق أخرى.
تأتي أهمية الموضوع من أن التعامل مع ظواهر مناخية كهذه غالبًا ما يكون لاحقًا للأثر، بينما يحاول الباحثون البحث عن أدوات “مؤقتة” قد تقلل شدة النتائج المناخية خلال الفترات الحرجة، دون أن تكون بديلاً عن الجهود الجذرية المطلوبة لمعالجة تغير المناخ. فالتركيز هنا ليس على تغيير المناخ بشكل دائم، بل على كبح جزء من الحرارة الإضافية أو تقليل حدّة التحولات المرتبطة بنينيو عبر تعديل توازن الطاقة بين المحيط والغلاف الجوي.
كيف تعمل تقنية تفتيح السحب البحرية؟
تعتمد التقنية على رش جزيئات دقيقة جدًا ذات انعكاسية عالية داخل طبقات السحب فوق مناطق من المحيطات—خصوصًا مناطق قريبة من مسارات التلاقي بين التيارات البحرية والرياح الرطبة—بهدف زيادة قدرة السحب على عكس جزء أكبر من ضوء الشمس قبل أن يمتصه سطح البحر. حين ترتفع الانعكاسية، يمكن أن يقل امتصاص الطاقة الحرارية، ما ينعكس عادةً على انخفاض طفيف في حرارة سطح البحر. ويُفترض أن هذا الانخفاض قد يحد—ولو جزئيًا—من نمو الظروف التي تغذي النينيو، وبالتالي ينعكس على درجة حرارة المحيط وعلى أنماط الغلاف الجوي المرتبطة بها.
ولعل ما يميز الدراسة أنها لم تعتمد على تجربة ميدانية مباشرة—بسبب تعقيدها وأخطارها الأخلاقية والبيئية—بل استندت إلى ما يمكن اعتباره “تجربة طبيعية” وقعت بالفعل. ففي موسمي حرائق الغابات في أستراليا خلال 2019 و2020، أدت كميات كبيرة من الدخان والجسيمات الدقيقة إلى تغيير خصائص السحب فوق المحيط الهادئ. واستفاد الباحثون من هذه الواقعة لفهم كيف يمكن لجزيئات دقيقة موجودة في الجو أن تؤثر في تكوين السحب وخصائصها، وكيف يمكن أن يرتبط ذلك بتحولات مناخية لاحقة. وتشير النتائج إلى أن تلك الظروف ساعدت في تعزيز حالة أشبه بـ”لا نينيا” ذات التأثير المبرد—وهو ما يتماشى مع فكرة أن زيادة انعكاسية السحب قد تدفع النظام المناخي نحو مسار أقل تسخينًا.
نتائج واعدة… لكن بحذر علمي شديد
عند الانتقال من “التجربة الطبيعية” إلى سيناريوهات محاكاة مستقبلية، أوضحت نماذج المحاكاة المناخية أن تطبيق تفتيح السحب البحرية في الوقت المناسب يمكن أن يعزز أثر التبريد المرتبط بلا نينيا بنسبة قد تصل إلى 40%، بشرط بدء التدخل مبكرًا قبل بلوغ النينيو ذروته. وهذا يضع “الوقت” في قلب الفكرة: فالتأثيرات المناخية لا تظهر فورًا، بل تعتمد على توقيت بدء تعديل السحب وعلى كيفية تفاعل المحيط والغلاف الجوي خلال أسابيع إلى أشهر.
لكن الباحثين شددوا أن هذه التقنية لا تُعد حلًا دائمًا لمشكلة تغير المناخ. فهي أقرب إلى أداة تخفيف مؤقت (Short-term mitigation tool) قد تُستخدم في ظروف استثنائية للحد من حدة ظواهر معينة، بينما تبقى الحلول الأساسية—مثل خفض انبعاثات الغازات الدفيئة—هي الركيزة الحقيقية لتقليل جذور المشكلة على المدى الطويل.
كما أن الاعتماد على النماذج المناخية وحدها لا يكفي، لأن هناك هامش عدم يقين حول الآثار الجانبية المحتملة. فحتى لو بدا التأثير العام “مبدرًا” في المتوسط، فقد تتوزع النتائج بشكل غير متساوٍ جغرافيًا: قد تتغير أنماط الطقس في بعض المناطق، وقد تظهر تأثيرات غير متوقعة على دورات الأمطار أو الرياح أو السحب نفسها، فضلًا عن قضايا تتعلق بالسلامة البيئية وأثر الجزيئات على النظم البحرية والهواء.
لماذا تُعد الدراسة خطوة مهمة رغم القيود؟
تُعد الدراسة—بحسب رأي الباحثين—مساهمة في فهم إمكانات الهندسة المناخية عبر تعديل السحب، وتحديدًا في أي سياق يمكن أن يكون التدخل مفيدًا وأي سياق قد يرفع المخاطر. وتفتح النتائج الباب أمام أسئلة علمية أوسع، مثل: ما كمية الجزيئات المطلوبة؟ وما توزيعها الأمثل؟ وكيف يمكن قياس التأثيرات بسرعة وبدقة؟ وما حدود “الأثر المقبول” مقارنة بالمخاطر؟
في النهاية، يظل التفاؤل العلمي هنا مشروطًا بالمسؤولية: فهم التقنية جيدًا، واختبارها عبر تجارب آمنة ومحدودة، وتطوير نماذج أكثر دقة وشمولًا، بالتوازي مع سياسات مناخية تقلل الانبعاثات. فحتى إن كانت الأدوات المؤقتة قادرة على التخفيف خلال أحداث النينيو القوية، فإن الطريق الحقيقي لتقليل تكرار وحدّة الأزمات المناخية يظل مرتبطًا بمعالجة تغير المناخ في جوهره.

التعليقات