التخطي إلى المحتوى

يؤكد اللواء الدكتور سمير فرج، المفكر والخبير الاستراتيجي، أن فترة عمل الرئيس عبد الفتاح السيسي كمُلحق عسكري كانت من أبرز محطات مسيرته العسكرية، وأنها لعبت دورًا محوريًا في بلورة رؤيته الاستراتيجية وتطوير أدواته القيادية. ويُرجع فرج أهمية هذه المرحلة إلى كونها أتاحت للرئيس احتكاكًا مباشرًا مع بيئات خارجية متباينة، بما وفر له إطارًا عمليًا لفهم السياسة الدولية من منظور عسكري-دبلوماسي، فضلًا عن اكتساب خبرات متعددة تتعلق بالعلاقات بين الدول وكيف تُدار الأزمات عبر القنوات الرسمية.

وفي حديثه ضمن لقائه الإعلامي مع حمدي رزق ببرنامج «نظرة» المذاع على قناة صدى البلد، أوضح فرج أن السيسي عاد إلى وزارة الدفاع بعد انتهاء مهمته كمُلحق عسكري، ثم تولّى رئاسة أركان أحد الألوية. ويرى فرج أن هذه المحطة تُعد نموذجًا لما يتعرض له أي ضابط في مساره المهني: انتقال تدريجي من مرحلة اكتساب المعرفة والاحتكاك الخارجي إلى مرحلة تطبيق الخبرة داخل بنية عسكرية أكثر اتساعًا ومسؤوليات أوسع، بما يحقق تكاملًا بين الخبرة الميدانية والرؤية الأوسع.

ويُشير فرج إلى أن طبيعة عمل الملحق العسكري تختلف جوهريًا عن الخدمة داخل الوحدات العسكرية التقليدية. فالملحق العسكري لا يقتصر دوره على الجانب القتالي أو التدريبي، بل يتعامل أيضًا مع بيئة دولية تتداخل فيها المصالح السياسية والأمنية واللوجستية. ويشمل ذلك التواصل مع السلك الدبلوماسي، وتبادل وجهات النظر مع الشركاء من الدول المختلفة، ومتابعة تحركات السياسات العسكرية والأمنية التي قد تؤثر في الإقليم أو على خطوط التفاهم بين الدول.

ومن بين الجوانب التي تُثري هذا الدور، بحسب فرج، أن العمل كمُلحق عسكري يوسّع مدارك الضابط ويمنحه خبرة يصعب الحصول عليها عبر المسار العسكري المعتاد وحده. كما يساهم في صقل قدرته على قراءة الواقع الدولي وفهم طبيعة صنع القرار لدى الأطراف المختلفة، وهو ما ينعكس لاحقًا على كيفية صياغة الخطط وتقييم المخاطر واتخاذ القرار تحت ضغوط متغيرة.

ولزيادة الإثراء حول معنى هذه التجربة، يمكن القول إن الملحق العسكري—بحسب وظيفته—يكون في موقع يتيح له فهم الفروق بين العقائد العسكرية للدول، وطريقة بناء الجيوش، وأولويات التسلح والتدريب، وسبل إدارة التعاون الأمني أو التنافس بين القوى. كذلك، تُسهم التجربة في تطوير مهارات التنسيق واللغة المؤسسية، والتعامل مع قضايا حساسة تتطلب دقة عالية وحسًا سياسيًا، إضافة إلى فهم كيفية ترجمة الرسائل الرسمية إلى خطوات عملية يمكن قياس أثرها.

ويخلص فرج إلى أن التجربة لم تكن مجرد محطة وظيفية في السيرة، بل كانت عاملًا مهمًا في صقل شخصية الرئيس السيسي وإعداده لتحمل مسؤوليات قيادية أكبر لاحقًا، عبر الجمع بين خبرات ميدانية، ورؤية سياسية-استراتيجية أوسع تشكلت من الاحتكاك الدولي وتنوع الخبرات.

وبذلك، تظهر قيمة تجربة السيسي كمُلحق عسكري في أنها تُحوّل المعرفة النظرية المتعلقة بعلاقات الدول والسياسات الأمنية إلى خبرة تطبيقية، وتوفر للقيادة العسكرية قدرة أفضل على قراءة المشهد الإقليمي والدولي وتقدير تأثيره على الأمن القومي المصري.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *