أكد الدكتور عماد الساعي، مستشار الأمم المتحدة لإدارة المخاطر والأزمات، أن مصر تمتلك رصيدًا حضاريًا وثقافيًا استثنائيًا يجعلها مؤهلة بشكل كبير لتوظيف القوة الناعمة على نحو يترك أثرًا إيجابيًا طويل المدى لدى الزائرين. وشدد على أن المطلوب ليس الاكتفاء بالترويج للمقاصد السياحية أو السعي لزيادة أعداد الزائرين فحسب، بل تطوير برامج سياحية متكاملة تعكس تنوع الحضارات التي مرت على البلاد وتقدم للزائر تجربة معرفية وليس مجرد زيارة لمواقع.
وأوضح خلال حديثه ضمن برنامج «حقائق وأسرار» على قناة صدى البلد، أن جوهر القوة الناعمة يتمثل في التأثير الثقافي وخلق انطباع دائم، بحيث يغادر الزائر وهو يحمل فهمًا حقيقيًا لهوية الدولة وتاريخها ومخزونها المعرفي. وأضاف أن النجاح لا يُقاس بعدد التذاكر أو الصور التذكارية، بل بما يترسخ في الوعي من قيم ومعانٍ مرتبطة بالحضارة المصرية، بما في ذلك قصص المدن والحقب التاريخية وتطور الفنون والعلوم والعادات على امتداد الزمن.
ولفت إلى أن تحويل هذا الرصيد إلى قوة ناعمة فعّالة يتطلب تصميم برامج سياحية “قابلة للعيش”، تشمل سردًا تاريخيًا جذابًا، وجولات تفسيرية مدعومة بمحتوى علمي، وتجارب تفاعلية مثل ورش الحرف التقليدية أو أنشطة فنية موسيقية وارتباطها بالسياق الحضاري. كما أشار إلى أهمية تقديم معلومات دقيقة ومبسطة تناسب مختلف الفئات العمرية، وتوفير فرص للتفاعل مع الثقافة المصرية عبر مبادرات محلية، بما يدعم فهم الزائر للثقافة بعيدًا عن السطحية.
وأشار الدكتور عماد الساعي كذلك إلى أن بناء مشروع عربي متكامل للقوة الناعمة يحتاج إلى رؤية مشتركة تستثمر الإمكانات الحضارية والثقافية للدول العربية، وتقدم صورة موحدة ومتنوعة في آن واحد. فالتعاون بين الدول العربية يمكن أن يفتح آفاقًا لبرامج تبادل ثقافي، وتنسيق لمسارات سياحية عابرة للحدود، واستثمار التراث والفنون والإنتاج الإعلامي في تعزيز حضور عربي مؤثر عالميًا.
وفي السياق ذاته، أكد أن العالم العربي يمتلك نماذج ملهمة قادرة على صناعة رموز جديدة في مختلف المجالات. واستشهد بمكانة كوكب الشرق أم كلثوم باعتبارها أحد أبرز الأمثلة على القوة الناعمة المصرية، إذ تجاوز تأثيرها الحدود ليصبح حضورها جزءًا من الذاكرة الثقافية للعديد من الشعوب، وهو ما يبرهن أن الفن قادر على لعب دور دبلوماسي وثقافي يخلق جسور تواصل بين الأمم.
واختتم بالإشارة إلى أن تعزيز القوة الناعمة عبر السياحة والثقافة يعني أيضًا الاهتمام بجودة التجربة بالكامل: من طريقة تقديم المحتوى، إلى تدريب المرشدين، إلى تطوير مسارات زيارة متقنة تربط المكان بالمعنى، بما يضمن أن تكون السياحة أداة لنقل المعرفة وتقديم رسالة حضارية تحمل معها قيمة وهوية. وبهذا تصبح مصر نموذجًا للدولة التي تعرف كيف تحوّل تراثها إلى تأثير، وتجعل الزائر يعيش قصة حضارة كاملة.

التعليقات