التخطي إلى المحتوى

أكد الدكتور عماد الساعي، مستشار الأمم المتحدة لإدارة المخاطر والأزمات، أن الدول العربية تمتلك مقومات قوية لبناء قوة ناعمة ذات أثر يتجاوز حدودها الإقليمية، غير أن غياب التخطيط المنهجي والتنسيق المشترك بين الجهات المعنية يحدّ من تحويل هذه الإمكانات إلى تأثير عالمي مستدام. ولفت الساعي إلى أن القوة الناعمة ليست مجرد شعارات أو حضور إعلامي، بل منظومة متكاملة تبدأ من فهم الرسالة الثقافية وتطوير أدواتها وتوحيد مسارات العمل بين المؤسسات الحكومية والخاصة والمجتمع المدني.

وأضاف الساعي، خلال حديثه مع الإعلامي مصطفى بكري في برنامج «حقائق وأسرار» المذاع على قناة صدى البلد، أن المملكة العربية السعودية تمتلك من أبرز أدوات القوة الناعمة عالميًا، وذلك لارتباطها بمقومات دينية وثقافية راسخة، إضافة إلى احتضانها للمقدسات الإسلامية واستقبالها ملايين الزائرين سنويًا. وأوضح أن حجم الزيارة يجعل السعودية منصة مؤثرة طبيعيًا للتواصل الحضاري، لكنها تحتاج إلى تحويل التجربة الروحية إلى تجربة معرفية وثقافية أكثر عمقًا.

وأكد أن الزيارات يمكن استثمارها بشكل أكبر عبر تصميم برامج نوعية تُعرّف الزائر بتاريخ المملكة، ورحلة تطورها، وإنجازاتها في مختلف المجالات، مع تقديم محتوى ثقافي ومعرفي بلغات متعددة وبتجارب تفاعلية تناسب تنوع الزائرين. ويمكن، وفق هذا التصور، تعزيز الأثر من خلال برامج إرشادية منظمة في مواقع الزيارة، وتنظيم ورش توعوية قصيرة، وجولات تعريفية بالتراث والتاريخ، ومبادرات لتمكين الزائر من فهم السياق الحضاري الذي تتجذر فيه الممارسة الدينية.

كما شدد الساعي على أهمية توسيع نطاق التجارب الثقافية المرتبطة بالمعالم، من خلال تنظيم زيارات لمعالم بارزة مثل مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ومرافق صناعة كسوة الكعبة. فهذه الأنشطة لا تقدم فقط جانبًا مباشرًا من الممارسة الدينية، بل تبرز جانبًا من الصناعات الحرفية والمهارات والرموز التي تحمل معنى ثقافيًا عميقًا، وتمنح الزائر انطباعًا بأن التجربة تتجاوز أداء الشعائر لتصل إلى فهم أوسع للهوية العربية والإسلامية.

ولتعظيم أثر القوة الناعمة، اقترح الساعي كذلك تبني منهج أكثر تكاملًا على مستوى الدول العربية يقوم على التنسيق بين المؤسسات الثقافية والإعلامية والتعليمية والسياحية. ويشمل ذلك وضع أهداف مشتركة، وبناء مكتبات رقمية مشتركة للمحتوى، وتفعيل شراكات إنتاج إعلامي وثقافي، وربط المبادرات بمؤشرات قياس تقيس أثر الرسائل في وعي الجمهور المستهدف. كما يمكن الاستفادة من منصات التواصل والمنتجات الرقمية لتوسيع نطاق الوصول، بحيث تظل الرسالة الثقافية حاضرة قبل الزيارة وأثناءها وبعدها.

وشدد على أن الاستثمار المنظم في القوة الناعمة يعزز الترابط بين الشعوب ويقدم صورة حضارية أكثر اتزانًا عن المنطقة، ويحول فرص الحضور الجماهيري إلى مكاسب معرفية مستدامة. ومع وجود تصور عملي لإدارة هذه الموارد وتنسيق استخدامها، يمكن للدول العربية—ومنها السعودية—تحويل مقوماتها إلى تأثير عالمي واضح وقابل للاستمرارية، بما يعكس مكانتها الحضارية ويخدم أهداف التنمية والتفاهم الدولي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *