التخطي إلى المحتوى

أكد وليد ناجي، الخبير المصرفي والاقتصادي، أن البنوك تمثل ركيزة مهمة في تمويل الاقتصاد، لكنها لا تستطيع في الواقع تحمّل المخاطر العالية المرتبطة بالشركات الناشئة، خصوصًا أن طبيعة عملها تقوم على إدارة أموال مودعي العملاء. لذلك تسعى البنوك عادةً إلى توظيف الموارد في استثمارات تضمن توازنًا مناسبًا بين العائد المتوقع ومستوى المخاطر، بما يحافظ على استقرارها المالي وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها.

وأوضح وليد ناجي، خلال حديثه في برنامج “الجسر” عبر شاشة “القاهرة والناس”، أن البنوك في مختلف دول العالم تعمل وفق نموذج إداري قائم على إدارة المخاطر. كما أنها مؤسسات ربحية بحكم طبيعة نشاطها، ما يدفعها إلى تقييم دقيقة لملف أي جهة طالبة للتمويل، والبحث عن مؤشرات واقعية مثل سجل تشغيلي سابق، وخبرة إدارية، ووضوح في نماذج الإيرادات، إضافةً إلى القدرة على تنفيذ الخطط ضمن إطار زمني يمكن التحقق منه.

وأضاف أن الشركات الناشئة تتميز بطبيعتها بعدم اليقين؛ إذ قد تفشل نسبة كبيرة من المشاريع في مراحلها الأولى بسبب عوامل عدة مثل صعوبة الوصول إلى العملاء، أو ضعف التمويل، أو تحديات التشغيل، أو المنافسة الشديدة في السوق. ونتيجة لذلك ترتفع درجة المخاطرة تلقائيًا في قرارات التمويل، وهو ما يجعل البنوك أكثر تحفظًا عند تقديم التمويل لهذه الفئة مقارنةً بفرص أكثر استقرارًا.

وأشار وليد ناجي إلى أن احتياجات الشركات الناشئة لا تتطابق دائمًا مع أدوات التمويل المصرفي التقليدية. فبالنسبة لكثير من الشركات الناشئة، قد يكون التمويل المطلوب مرتبطًا بالبحث والتطوير، وبناء نموذج العمل، وتوسيع نطاق الإنتاج، واختبار المنتج في السوق. كما قد تحتاج هذه الشركات إلى فترات سماح أطول، وآليات مرنة في سداد الالتزامات، إضافة إلى دعم غير مالي مثل الإرشاد والخبرات والشبكات التجارية. لذلك فإن تطوير أدوات تمويل متخصصة أو شراكات مع جهات استثمارية قد يكون أكثر ملاءمة لاحتياجاتها.

ولفت إلى أن دور الحكومة يُعد عنصرًا محوريًا في دعم الشركات الناشئة، من خلال توفير برامج متكاملة تشمل التمويل المبكر، والضمانات الائتمانية أو آليات مشاركة المخاطر، وتقديم التدريب وبناء القدرات، وربط الشركات بمسرعات أعمال وحاضنات تساعدها على تحسين فرص النجاح. فهذه البرامج يمكن أن تساهم في تقليل فجوة التمويل، وتمنح الشركات فرصة لاكتساب سجل تشغيلي تدريجي وبيانات أداء قابلة للتقييم، ما يجعلها لاحقًا أكثر جاهزية للتعامل مع البنوك.

وشدد وليد ناجي على أن الاستثمار في الشركات الناشئة يشبه الاستثمار في التعليم: دعم المرحلة الأولى قد لا يعطي نتائج مباشرة بشكل فوري، لكنه ينعكس مستقبلاً على زيادة الإنتاجية ورفع جودة الابتكار، ويساعد على تحسين أداء الاقتصاد الوطني. كما يمكن أن يؤدي نجاح الشركات الناشئة إلى خلق فرص عمل جديدة، وتوسيع قاعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة، ورفع تنافسية الاقتصاد عبر حلول أكثر ابتكارًا.

بذلك، تتضح الصورة: البنوك ليست ضد الشركات الناشئة بقدر ما هي مطالبة بإدارة المخاطر بصرامة. ومن أجل تحقيق توازن فعّال، يلزم تكامل الأدوار بين القطاع المصرفي والقطاع الاستثماري والحكومة، مع بناء بيئة تمويل ودعم تقلل المخاطر وتزيد احتمالات النجاح لدى رواد الأعمال.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *