التخطي إلى المحتوى

كشف العقيد حاتم صابر، خبير مكافحة الإرهاب الدولي وحرب المعلومات، عن قراءة جديدة لمدى تعقيد المشهد السوداني بعد التطورات الميدانية المتزامنة؛ إذ أشار إلى انشقاق مجموعة من أبناء قبيلة المسيرية عن الدعم السريع وإعلان انضمامها إلى الجيش السوداني، بالتوازي مع إحباط هجمات بطائرات مسيرة استهدفت الخرطوم ومحيط قاعدة وادي سيدنا العسكرية.

## انشقاق المسيرية: ضربة لقاعدة النفوذ وتعقيد الحسابات
أكد حاتم صابر خلال مداخلة هاتفية في برنامج «خط أحمر» الذي يقدمه الإعلامي هشام موسى على قناة «الحدث اليوم» أن خروج جزء من المسيرية من صفوف الدعم السريع يفتح باب التساؤلات حول مدى تراجع تأثير الجماعة بعد خسارة عنصر من عناصر الظهير القبلي. واعتبر أن طبيعة الصراع داخل السودان لا تسمح بتوقع مسار ثابت، لأن الارتباطات تتحرك تبعًا للظروف والمصالح، وليس وفق بنية عقائدية راسخة.

وأوضح الخبير أن ميليشيات الدعم السريع، كما يراها، لا تعمل وفق عقيدة عسكرية واضحة أو منظومة قيادة مستقرة، بل تتحرك بدرجات متفاوتة بحسب حسابات مصلحية وحاجات ميدانية آنية. ومن ثم فإن أي اهتزاز في الحاضنة الاجتماعية أو القبيلة الداعمة قد ينعكس على القدرة على التجنيد، وعلى السيطرة على وحدات الميدان، وعلى تماسك الجبهة.

## عندما تغيب “عقيدة الدولة” تظهر الميليشيات ذات الخلفيات القبلية
وفي إطار تحليله لآليات الانخراط العسكري، شدد حاتم صابر على أن الجيوش حين تفقد مرتكزاتها الأساسية القائمة على الدفاع عن أراضي الدولة وحماية الحدود وصون الأمن القومي، قد تميل الأوضاع إلى إنتاج الاعتماد على تشكيلات مسلحة غير نظامية. وتظهر حينها ميليشيات ذات طابع عرقي أو قبلي، وهو ما اعتبر أنه تجلى بوضوح في السودان.

وأضاف أن هذا التحول لا يقتصر على الجانب القتالي، بل يتسع ليشمل الاقتصاد العسكري، وتسعير الولاءات، وتوزيع النفوذ، بما يخلق دائرة من التعقيدات السياسية والأمنية يصعب فكها بسهولة، خصوصًا عندما تتعدد مراكز القوة وتتنازع الشرعية.

## جذور الأزمة: من «الجنجويد» إلى إعادة تدوير القوة
عاد حاتم صابر إلى نقطة البداية التاريخية للأزمة، موضحًا أن المشكلة—وفق رؤيته—ترتبط باستعانة نظام الرئيس السوداني الراحل عمر البشير بمقاتلين عُرفوا باسم «الجنجويد» خلال السنوات الأولى من فترة حكمه، بهدف إخضاعهم والتأثير في إقليم دارفور. وأشار إلى أن من بين تلك الأسماء حميدتي.

وبحسب الطرح الذي قدمه الخبير، جرى لاحقًا دمج تلك المجموعات في القوات المسلحة بعد انهيار نظام البشير في الخرطوم، لكن—وفق ما ذكر—تلا ذلك رفض الاندماج العسكري الكامل، ثم عادت للمطالبة بامتيازات خاصة. واعتبر أن هذا المسار ساهم في تثبيت علاقة ملتبسة بين القوات النظامية وتشكيلات مسلحة ذات استقلال نسبي، وهو ما انعكس على تعقيد المشهد العسكري والسياسي لاحقًا.

## إحباط المسيرات: رسالة في الحرب الإلكترونية وتوازنات الدعم الإقليمي
وفيما يتعلق بالضربات الجوية غير المأهولة، أكد حاتم صابر أن إحباط الهجمات التي استهدفت الخرطوم ومحيط قاعدة وادي سيدنا يظهر امتلاك الجيش السوداني قدرات في مجال الحرب الإلكترونية. وأشار إلى أن نجاح التعامل مع المسيرات لا يعكس فقط قدرة دفاعية آنية، بل يشير أيضًا إلى منظومة رصد وتحديد وتعطيل أو تشويش يمكن أن تحد من فاعلية أي استهداف مستقبلي.

كما لفت إلى أن الجيش تلقى دعمًا من دول صديقة ترى أن محاولات تقسيم السودان تمثل تهديدًا للأمن الإقليمي، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط. واعتبر أن هذا التقدير دفع تلك الدول إلى تقديم دعم للجيش السوداني، بما قد ينعكس على تحسين القدرات الدفاعية وتطوير آليات الاستجابة للأخطار.

## تزامن الانشقاق وإخفاق المسيرات: متغيرات جديدة في مسار الصراع
واختتم حاتم صابر تحليله بالقول إن تزامن انشقاق داخل صفوف الدعم السريع مع إحباط هجمات المسيرات يعكس تصاعد التعقيدات في مسار الحرب، ويدخل عناصر جديدة على حسابات الأطراف المتصارعة. وأكد أن مثل هذه المتغيرات قد تؤثر على مسارات التفاوض أو المواجهة، وعلى كيفية إعادة رسم تحالفات النفوذ بين الفاعلين المحليين والإقليميين.

وبذلك، يربط حاتم صابر بين ثلاثة مستويات مترابطة: تفكك الحاضنة الاجتماعية، وإعادة قراءة جذور تشكيلات «الجنجويد» وعلاقتها بتطورات ما بعد البشير، ثم انعكاسات القدرات الدفاعية في مواجهة المسيرات، لتقديم تفسير أوسع لما يحدث في الخرطوم وساحات القتال المرتبطة بقاعدة وادي سيدنا.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *