أكد الدكتور زاهي حواس، عالم الآثار المصري، أن الباحث الحقيقي في مجال الآثار يركز على دراسة المواقع والقطع الأثرية وتوثيقها ونشر الأبحاث العلمية، ولا ينشغل بالرد على “ادعاءات” لا تستند إلى أدلة يمكن فحصها أو اختبارها. وأوضح خلال ظهوره في برنامج «يحدث في مصر» على قناة «MBC مصر» أن الرد على المزاعم التي يصفها بالخرافات لا يدخل في عمل علماء الآثار، لأن مهمتهم الأساسية هي البحث العلمي وليس الجدل الإعلامي.
وأوضح حواس أن وجود عدد كبير من البعثات الأجنبية العاملة في مصر—والتي يصل عددها إلى نحو 240 بعثة—يعني أن كثيرًا من التأويلات المتداولة قد تكون مجرد كلام غير مدعّم بنتائج حفر موثقة، لذلك لا يرى ضرورة للانشغال بها بدلًا من الإنتاج العلمي. وصرّح بأن “عالم الآثار” يعمل داخل إطار علمي واضح: قراءة متخصصة، وتنقيب ميداني، وتحليل للبيانات، ثم كتابة كتب وأبحاث تعتمد على مصادر وأدلة.
هل بناة الأهرامات “قادمون من الفضاء”؟ حواس يطلب الدليل الأثري
وتناول حواس الجدل المتكرر حول نظرية مفادها أن الأهرامات بُنيت بواسطة كائنات جاءت من الفضاء، مشددًا على أن أصحاب هذه الفكرة عليهم تقديم دليل أثري واضح. وقال إن أي ادعاء بهذا الحجم يجب أن يترك أثرًا قابلًا للتحقق، سواء كان ذلك نقوشًا محددة بدلالات منضبطة، أو أدوات معمارية غير معروفة في بيئة مصر القديمة، أو نصوصًا تدعم وجود تقنية أو زيارة خارجية.
وأضاف أن منطق هذه الادعاءات ينهار عند غياب “أدلة واحدة” على الأقل، معتبرًا أن تفسير بعض الأشكال أو العلامات على أنها “رموز لطائرات” أو “مركبات فضائية” لا يتسق مع طبيعة الكتابات الهيروغليفية والمعاني المرتبطة بها في الدراسات المصرية القديمة. وأشار إلى أن محاولات ربط الهيروغليفية بما يُشبه الطائرات تنتهي غالبًا إلى تأويل غير علمي.
نقوش تُفسّر خطأ: مثال أوزيريس بأبيدوس
لفت حواس إلى مثال مشهور في معبد أوزيريس بأبيدوس، حيث يتم تداول تفسير خاطئ لإحدى العلامات الهيروغليفية على أنها طائرة هليكوبتر. وأكد أن هذه القراءة لا تمتلك سندًا لغويًا أو أثريًا، وأن الحرف الهيروغليفي المعني لا علاقة له بالطائرة، مشيرًا إلى أن الدكتور خالد عناني سبق أن أرسل إليه صورة العلامة لتوضيح أنها إشارة هيروغليفية ضمن نظام الكتابة المصري القديم وليست وصفًا لمركبة حديثة.
“لا يمكن القول إن الفراعنة عرفوا الطائرات” بدون نصوص وأدلة
وأكد حواس أن تخيّل فكرة “كيف كان يمكن أن تكون الطائرة موجودة” لا يعد دليلًا. فوجود شكل أو تمثيل بصري لا يعني تلقائيًا أنه تصوير لتقنية حديثة، لأن تفسير القطع الأثرية يتطلب سياقًا متكاملًا يشمل الموقع، والطبقات الأثرية، وطبيعة المادة، ومعنى النص أو الرمز ضمن قواعد اللغة المصرية القديمة.
وضرب مثالًا بتمثال لحورس في المتحف المصري قيل إنه يمثل طائرة، موضحًا أن هذا النوع من التأويلات غالبًا ما يعتمد على تشابه بصري مبسط دون الرجوع إلى الدلالة التاريخية واللغوية. وتساءل: كيف يمكن إثبات أن المصريين القدماء عرفوا الطائرات دون وجود نص مكتوب أو دليل أثري مستقل يدعم هذا الادعاء؟ واختتم بأن غياب دليل واحد حاسم يجعل هذا النوع من الكلام أقرب إلى التكهن.
نتائج الحفر قرب أبو الهول: ما قبل الدولة القديمة؟
كما تطرق زاهي حواس إلى نتائج أعمال الحفر والدراسة الأثرية بجوار تمثال أبو الهول، موضحًا أن الهدف كان معرفة ما إذا كانت توجد طبقات أثرية أقدم من فترة الدولة القديمة. وأشار إلى أن الحفر تم في منطقة لم يسبق استكشافها بنفس الطريقة، بهدف الحصول على صورة دقيقة لتسلسل الطبقات الزمنية حول الموقع.
وبحسب ما ذكر، أظهرت نتائج التنقيب تسلسلًا واضحًا للطبقات الموجودة في المنطقة، حيث تم تسجيل طبقة أولى تنتمي إلى الدولة القديمة، تلتها طبقة تخص “جوران” مرتبطة بفترة الدولة الوسطى، ثم طبقة ثالثة عُثر فيها على فخار ملون يعود إلى الدولة الحديثة مع وجود آثار مرتبطة بالعصر الروماني أيضًا.
وشدد حواس على أن العصور التي ظهرت آثارها حول أبو الهول هي الدولة القديمة والدولة الوسطى والدولة الحديثة والعصر الروماني، وأن نتائج الحفائر والدراسات لا تقدم دليلًا على وجود حضارة أو مرحلة تاريخية مجهولة سبقت الدولة القديمة في هذه المنطقة.
وخلاصة حديثه شدد زاهي حواس على مبدأ علمي ثابت: لا قيمة لأي رواية تاريخية أو تفسير خيالي ما لم يكن قائمًا على بيانات أثرية موثقة ونصوص يمكن فحصها، وأن وظيفة علم الآثار هي بناء المعرفة من خلال الأدلة، لا من خلال الشائعات أو التأويلات غير المدعومة.

التعليقات