التخطي إلى المحتوى

أكد الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف السابق، أن مفهوم النقد الحقيقي لا يقتصر على كشف السلبيات أو إثارة الجدل، بل يقوم أساسًا على الإنصاف المنضبط والتمييز بين الجيد والرديء وفق معايير علمية وأخلاقية واضحة. وأوضح أن النقد، في دلالته اللغوية والاصطلاحية، يرتبط بعملية تقييم تقوم على الاستحسان والاستهجان بضوابط، لا على الانتقاص العشوائي الذي يفتقد الدليل ويغفل سياق الواقع.

وأوضح خلال لقائه مع الإعلامي نافع التراس في برنامج “المواطن والمسؤول” المُذاع على قناة “المحور”، أن الإنصاف الأخلاقي والوطني يتطلب الاعتراف بالإنجازات وإبراز الإيجابيات إلى جانب مناقشة القضايا محل التقويم. فالنقد البناء، في صورته السليمة، لا يسعى إلى التشفي من الأشخاص أو هدم التجارب، بل يسعى إلى تحسين المسار العام عبر قراءة دقيقة للمعطيات وتحديد مواطن القوة والقصور.

وفي السياق نفسه، حذر الدكتور محمد مختار جمعة من خطورة التسرع في الحديث عن الشأن العام أو تصدر مشهد الفتوى والتحليل دون امتلاك المعلومات والقدرة العلمية والبحثية اللازمة. وأكد أن الحكم بالإخفاق على أي تجربة قبل إجراء دراسة شاملة للواقع والبدائل المتاحة يُعد مسلكًا غير علمي، إذ يُشبه—بحسب تعبيره—منهج علماء العربية في التحري وعدم التخطئة قبل اكتمال النظر في الدلائل والشواهد.

كما شدد على أن تقييم القضايا يجب أن يظل مرتبطًا بأهل الاختصاص، بحيث يُرجع في الشأن الاقتصادي إلى الخبير الاقتصادي، وفي الملفات الأكاديمية إلى المختص الأكاديمي، وفي الجوانب الدينية إلى أهل العلم الشرعي المتخصصين. وأشار إلى أن التحدث في غير مجال الخبرة قد يؤدي إلى قرارات أو أحكام مضللة، وينتهي الأمر إلى الإضرار بالمصلحة الوطنية بدلًا من إصلاحها.

ولفت إلى أن الإعلام الهادف يقع على عاتقه دور محوري يتجاوز مجرد عرض الأزمات، ليصبح منصة حقيقية لإضاءة الطريق أمام المسؤولين من خلال تقديم حلول واقعية ورؤى عملية، تستند إلى معلومات موثوقة وتطرح بدائل قابلة للتنفيذ. وبيّن أن المسار الإصلاحي يحتاج إلى دعم الكفاءات وتكثيف تسليط الضوء على النماذج الوطنية الناجحة التي أثبتت قدرتها على خدمة المجتمع، بما يعزز الثقة ويقلل مساحة المزايدات السطحية.

وأضاف أن من سمات النقد المسؤول أن يبدأ بتوصيف المشكلة بدقة، ثم تحليل أسبابها وفق الأدلة، وبعدها اقتراح خطوات علاجية واضحة ترتبط بالإمكانات المتاحة والنتائج المتوقعة. فبدل الاكتفاء بالتقييم أو التشخيص، ينبغي تحويل النقد إلى عمل معرفي وتنفيذي يرفع كفاءة الأداء ويمنح صناع القرار أدوات أفضل لمعالجة التحديات.

وختم التأكيد بأن تجنب إثارة الجدل غير المنتج، والابتعاد عن التناول العاطفي أو الانطباعي، ورفع مستوى الحوار العام على أساس العلم والإنصاف، هي عناصر أساسية لصناعة رأي عام واعٍ يدعم الإصلاح ويصون الاستقرار ويعزز المصلحة الوطنية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *