أكد الدكتور وليد حجاج، خبير أمن المعلومات وعضو الهيئة العليا للأمن السيبراني، أن التوسع المتسارع في خدمات التحول الرقمي ومنصات الدفع الإلكتروني في مصر يفرض تحديات جديدة على منظومة الحماية، خصوصاً مع الوصول إلى مئات الخدمات عبر منصة مصر الرقمية، وتفعيل حلول الدفع الحديثة مثل “إنستاباي”، إضافة إلى توسع البنية التحتية من خلال افتتاح مراكز بيانات جديدة وتبنّي الحوسبة السحابية. وأوضح أن هذا النمو لا يعني فقط زيادة في الخدمات للمواطنين، بل يعني أيضاً توسعاً في نقاط التعرض للهجمات الإلكترونية وتنوعاً في أساليب التهديد.
وأشار حجاج في حديثه عبر برنامج مساء Dmc عبر Zoom إلى أن مفهوم “الأمان بنسبة 100%” غير واقعي في أي دولة، لأن التهديدات السيبرانية تتغير باستمرار وتستفيد من ثغرات بشرية وتقنية وحتى من أخطاء التشغيل. لذلك اعتبر أن المعيار الحقيقي لنجاح أي منظومة أمنية هو المرونة السيبرانية، وهي قدرة المؤسسات على الاستعداد للهجمات، الاكتشاف المبكر لها، الاستجابة السريعة، ثم التعافي والعودة للخدمة بأقل خسائر زمنية ومالية.
ولفت إلى أن المرونة السيبرانية تقوم على ثلاث ركائز مترابطة: أولاً سرعة الاستجابة بمجرد الاشتباه في الهجوم، بحيث لا تُترك التهديدات لتتحول إلى اختراقات كاملة؛ ثانياً الاستشعار المبكر للتهديدات عبر المراقبة المستمرة وتحليل السلوك لا الاكتفاء بالقواعد الثابتة؛ وثالثاً احتواء الهجمات ومنع انتشارها داخل الشبكات في أقل وقت ممكن. وأكد أن التركيز يجب أن يكون على تقليل أثر الهجوم حتى في حال وقوعه، بدلاً من الاعتماد على منع الهجمة بشكل مطلق.
وأضاف أن الجهود الوطنية تمثل خط دفاع استراتيجياً، يأتي في مقدمتها دور الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، إلى جانب مراكز الاستجابة لطوارئ الحاسب الآلي (EG-CERT). وتستند هذه المنظومة إلى آليات متقدمة تشمل تحليل الهجمات واستخلاص الأنماط، والهندسة العكسية لفهم أدوات المهاجمين وطريقة عملها، والاستعانة بالأدلة الجنائية الرقمية لتوثيق الحوادث وتحقيق الدقة في تحديد مسار الاختراق. كما يسهم ذلك في حماية البيانات الوطنية وتعزيز قدرة الجهات المختلفة على الاستمرار في تقديم الخدمات بكفاءة وأمان.
وبهدف إثراء الفكرة، شدّد حجاج على أهمية بناء ثقافة أمنية داخل المؤسسات، من خلال رفع الوعي لدى المستخدمين وتقليل الأخطاء البشرية التي تُعد من أكثر أسباب الحوادث الإلكترونية شيوعاً. كما دعا إلى تبني نهج متكامل لإدارة المخاطر يشمل تقييماً دوريّاً للتهديدات، واختبارات الاستجابة للحوادث، وخطط التعافي من الكوارث بحيث تُدار الخدمة عند حدوث أي اضطراب بطريقة قابلة للقياس. وأوضح أن هذه العناصر مجتمعة تعزز الاستمرارية وتمنح منظومات الدفع والخدمات الرقمية قدرة أعلى على مواجهة الهجمات مع تقليل توقف الخدمة وتقليص حجم الأضرار.
في المحصلة، يرى الدكتور وليد حجاج أن التحول الرقمي الحقيقي يحتاج إلى تحول في مفهوم الحماية نفسه؛ أي من التركيز على “المنع التام” إلى التركيز على المرونة، لأن النجاح في الأمن السيبراني يقاس بمدى قدرة النظام على الصمود والتعافي وتقليل الأثر متى ما حدثت التهديدات، مع ضمان استمرارية الخدمات للمواطنين وفق أعلى معايير الأمان.

التعليقات