التخطي إلى المحتوى

قال الدكتور محمد معيط، رئيس المجموعة العربية في صندوق النقد الدولي ووزير المالية الأسبق، إن تحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية لن ينعكس بشكل ملموس على حياة المواطن ما لم يقترن بانخفاض واضح في معدلات التضخم واستقرار الأسعار، إلى جانب تحسن الدخول ومستوى الخدمات المقدمة للمواطن.

يرى معيط أن المشكلة الأساسية تتمثل في أن ارتفاع الأسعار قد يكون أسرع من نمو الدخول، وهو ما يؤدي إلى تآكل الزيادات حتى لو ارتفع دخل بعض الفئات، وبالتالي لا يشعر الناس بتحسن حقيقي في قدرتهم الشرائية. وأوضح أن هذا الفارق بين مسار الأسعار ومسار الدخول هو ما يفسر لماذا قد تظهر الأرقام الكلية في اتجاه إيجابي بينما يستمر الإحساس العام بالتضييق داخل الحياة اليومية.

وأكد معيط أن مصر خلال 2022 و2023 مرت بظروف شديدة الصعوبة تضخمية ومعيشية، نتيجة ضغوط اقتصادية متزامنة مع تغيرات سعر الصرف، وارتفاعات حادة في أسعار الطاقة، وهو ما انعكس مباشرة على كلفة السلع والخدمات. ورغم أن المؤشرات الاقتصادية الكلية تشهد حاليًا تحسنًا، شدد على أن انتقال هذا التحسن إلى المواطن يحتاج وقتًا، خاصة أن جانبًا كبيرًا من الضغوط التي واجهها الاقتصاد ارتبط بعوامل خارجية.

وأشار إلى أن الحروب والاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الطاقة العالمية أثرت في أسعار المنتجات البترولية والكهرباء والمواصلات، بما ساهم في زيادة الضغط التضخمي. لذلك اعتبر معيط الوصول إلى معدل التضخم المستهدف أحد المفاتيح الرئيسية لتحسين مستوى معيشة المواطنين، لأن التحكم في التضخم هو العامل الأكثر ارتباطًا مباشرة بتغير تكلفة المعيشة.

وفي سياق تقييمه للأوضاع الحالية، قال معيط إن استقرار المشهد الإقليمي يمثل شرطًا مهمًا لتمكين الاقتصاد المصري من تحويل تحسن المؤشرات الكلية إلى نتائج يشعر بها الناس. وفي الوقت نفسه، أوضح أن استمرار حالة عدم اليقين في المنطقة يجعل عملية انتقال الأثر الاقتصادي للمواطن أكثر بطئًا.

كما شدد على أن أسعار الطاقة العالمية لا تزال تحديًا قائمًا، لافتًا إلى أن سعر النفط يدور حول 96 دولارًا للبرميل، إضافة إلى تحركات كبيرة في أسعار الغاز بأوروبا. وأكد أن الحكومة والمواطن يمكن اعتبارهما «معذورين» في ظل تلك الظروف: فالحكومة تواجه صدمات خارجية وتحديات داخلية وحالة من عدم اليقين، وهو ما يحد من سرعة ظهور النتائج، بينما المواطن من حقه أن ينتظر تحسنًا ملموسًا في حياته اليومية.

وحول أولويات المرحلة المقبلة بعد انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي بنهاية عام 2026، أوضح معيط أن المطلوب هو الحفاظ على الاستقرار الكلي والتنسيق بين السياسة المالية والنقدية، بالتزامن مع تنفيذ الإصلاحات الهيكلية اللازمة. وأكد أن استمرار الاستقرار لا يعني الاكتفاء بالأرقام، بل يتطلب أيضًا إدارة المخاطر التي قد تعيد ضغوط التضخم أو اضطرابات الأسواق.

وفي هذا الإطار، اعتبر معيط استقرار ومرونة سعر الصرف عنصرين أساسيين لتجنب تكرار الاضطرابات الحادة التي شهدتها السوق في الفترة من 2022 إلى 2024، والتي تبعتها موجات من التضخم وارتفاع أسعار الفائدة وزيادة الضغوط على المواطنين. كما أكد أن تغيّرات سعر الصرف من أكثر الأمور حساسية بالنسبة للحكومة، لأنها تولد آثارًا متتابعة على الأسعار والتضخم والفائدة، مشيرًا إلى ضرورة العمل على منع تكرار الصدمات.

ولتعزيز الاستدامة، شدد معيط على أهمية الحفاظ على معدلات نمو حقيقية في مختلف القطاعات، بحيث يساهم تنوع مصادر النمو في دعم الاقتصاد الكلي بدلًا من التركيز على مسار واحد. كما أكد أن زيادة دور القطاع الخاص وتحسين جودة الخدمات يمكن أن يسرعا وصول آثار الإصلاحات إلى المواطنين، لأن الاستثمارات والوظائف وسلاسل الإنتاج هي القنوات الأكثر قدرة على رفع الدخول وتقليل أثر الصدمات.

وبحسب طرحه، فإن الهدف النهائي لتحسن المؤشرات الاقتصادية لا يجب أن يتوقف عند تحسن الأرقام في التقارير، بل ينبغي أن يترجم إلى تحسن في مستوى معيشة الناس، وزيادة قدرتهم على مواجهة الأسعار، وتحسين الخدمات العامة، وخلق فرص نمو ودخل أفضل، بما يضمن أن يشعر المواطن بالنتائج خلال المرحلة التالية لما بعد برنامج صندوق النقد.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *