التخطي إلى المحتوى

قال الناقد السينمائي عصام زكريا إن الإقبال الاستثنائي على فيلم «الأوديسة» لا يتوقف عند حدود الجمهور المصري فقط، بل يمتد أيضًا إلى شرائح من المشاهدين حول العالم، معتبراً أن خصوصية التجربة لدى المصريين تأتي من تقاطع الحكاية مع المخزون الثقافي والذائقة المحلية، بينما يصل سحر العمل عالميًا عبر لغته البصرية وروحه الملحمية.

وأوضح زكريا أن أحد أهم عوامل الجذب يتمثل في تقديم ملحمة وأساطير قديمة تضرب جذورها في تاريخ يعود إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام، لكن الفيلم لا يكتفي بإعادة السرد، بل يعيد تقديم المادة التراثية بأسلوب سينمائي قادر على مخاطبة الحس المعاصر، ولا سيما شريحة الشباب. ورأى أن هذا النوع من التحديث في طريقة الحكي يخلق ما يشبه “المعجزة” السينمائية: تحويل الذاكرة التاريخية إلى تجربة جماهيرية حيّة داخل صالة العرض، بدل أن تظل حكاية من الماضي.

وخلال حديثه مع الإعلامي محمد سعيد محفوظ على شاشة «إكسترا نيوز» في برنامج «العاشرة»، أكد زكريا أن تميز التجربة يرتبط بثلاثة محاور متداخلة: موهبة المخرج، وإخلاصه للفن السينمائي، وإصراره على تنفيذ «الأوديسة» بإمكانات إنتاجية ضخمة. ومن أبرز هذه العناصر تصوير الفيلم بالكامل بتقنية آيماكس، وهو ما اعتبره تحديًا كبيرًا لا يقتصر على الجانب التقني فحسب، بل يمتد إلى شروط العمل كلها.

وبيّن الناقد أن كاميرات آيماكس نفسها تمثل تحديًا بسبب ثِقلها، إضافة إلى محدودية زمن التصوير على كل بكرات، إذ لا يتجاوز زمن التشغيل نحو ثلاث دقائق تقريبًا. علاوة على ذلك، فإن الضوضاء المرتفعة الناتجة عن تشغيل الكاميرا فرضت التعامل معها عبر حلول احترافية، مثل وضع الكاميرا داخل صناديق خاصة لعزل الصوت، بما يضمن إمكانية الحفاظ على جودة التسجيل داخل المشاهد دون التضحية بمتطلبات الإخراج والتمثيل.

ولفت زكريا إلى أن «الأوديسة» تقدم درسًا عمليًا في أهمية التطور التقني داخل صناعة السينما، معتبراً أن السينما ليست مجرد وعاء لنقل الأفكار أو إعلانات للقصص، بل هي وسيط فني يتطور باستمرار بالتوازي مع التكنولوجيا. وأشار إلى أن هذا المبدأ شبيه بما يحدث في الفنون التشكيلية، حيث تتبدّل الأدوات والمواد وتتطور معها طرق الإبداع.

وأضاف أن السينما بدأت أصلًا كاختراع تكنولوجي، قبل أن تتحول إلى فن متكامل، وأن النجاح في الأعمال الحديثة يكمن في تحويل التكنولوجيا إلى جزء عضوي من الرؤية الفنية وليس مجرد استعراض تقني. ومن هنا جاءت أهمية تصميم المخرج لأساليب التصوير والإنتاج بما يخدم الإحساس بالمشهد وبناء العالم الدرامي.

وأشار الناقد إلى أن المخرج اختار الطرق الأصعب في صناعة العمل؛ إذ اعتمد على التصوير في الطبيعة بدلًا من الاعتماد المفرط على المؤثرات البصرية. ورأى أن هذا القرار منح الفيلم إبهارًا مختلفًا لدى الجمهور الشاب لأنه يخلق صدقًا بصريًا وإحساسًا بالملمس الواقعي داخل المشاهد الملحمية. كما أوضح أن التجنب النسبي للتقنيات الاعتمادية مثل «الكرومة» لصالح التصوير الواقعي جعل العمل أكثر قدرة على شد الانتباه وتحقيق انغماس بصري، خصوصًا في العروض التي تعتمد على قوة الصورة مثل آيماكس.

وفي قراءة أعمق لطبيعة المخرج، أكد زكريا أن «الأوديسة» ينتمي إلى توجه سينمائي يحافظ على جوهر السينما بمعناها التقليدي. ويظهر ذلك في تفضيل التصوير بمواد وأدوات متخصصة وعدم الاكتفاء بالحلول السريعة، إلى جانب الجمع بين مهارات الكتابة والإخراج، بما يضمن وحدة الرؤية من النص إلى الشاشة. واعتبر أن هذا الإخلاص والشغف لم ينعكسا فقط على شكل العمل، بل انتقلا كذلك إلى جمهور الفيلم، فصار الإقبال الاستثنائي نتيجة “توافق” نادر بين الحرفة والإبداع والجرأة التقنية.

في المحصلة، يرى عصام زكريا أن «الأوديسة» ليست مجرد فيلم بمستوى إنتاج مرتفع، بل مشروع سينمائي يربط الماضي بالحاضر، ويحول الأسطورة إلى تجربة معاشة، ويبرهن أن التكنولوجيا حين تُستخدم بخبرة ورؤية قد تفتح بابًا لجمهور جديد وتجعل الفن السينمائي يعود ليحمل سحره القديم بروح العصر.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *