التخطي إلى المحتوى

اعتبرت الدكتورة وام عثمان، أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية بجامعة بورسعيد، أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر تمثل محطة محورية في مسار الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين القاهرة وبكين، لافتة إلى أن نتائج الزيارة تعكس توجهًا جديدًا يقوم على الانتقال من التركيز التقليدي على التجارة إلى تعزيز مسارات التصنيع وتوطين التكنولوجيا داخل السوق المصرية.

وأوضحت خلال مداخلة ببرنامج «صباح الخير يا مصر» أن من أبرز ملامح التعاون المعلن توسيع العمل في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاستثمار والتصنيع، مع التأكيد على أن إنشاء مراكز البيانات يمثل ركيزة أساسية لتسريع التحول الرقمي في مصر. كما أشارت إلى أن التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى بنية تحتية متكاملة تشمل الشبكات وخدمات الحوسبة والسعات التخزينية، بما يضمن قدرة الاقتصاد على استيعاب التقنيات الحديثة على نحو فعّال.

وفي السياق نفسه، شددت على أن التقدم التكنولوجي لا يمكن فصله عن حماية البيانات، مؤكدًة أهمية تعزيز الأمن السيبراني باعتباره عنصرًا حاسمًا لصون أمن الدولة وحماية المؤسسات والبنية الرقمية من المخاطر المرتبطة بالاختراق والقرصنة وسوء استخدام البيانات.

وأضافت أن الزيارة تضمنت توقيع 5 اتفاقيات ومذكرات تفاهم، إلى جانب 20 وثيقة تعاون، مؤكدة أن من بين أهمها مذكرة مواءمة رؤية مصر 2030 مع مبادرة الحزام والطريق الصينية. واعتبرت أن هذه المواءمة قد تفتح المجال أمام مزيد من الاستثمارات وتسهيل نقل التكنولوجيا للقطاعين العام والخاص، مع إمكانية تحويل فرص التعاون إلى مشاريع قابلة للتطبيق.

وأكدت الدكتورة وام عثمان أن نقل التكنولوجيا وحده لا يكفي، بل يجب العمل على توطينها عبر برامج التدريب والتأهيل وبناء القدرات المحلية، وإنشاء صناعات جديدة ترتبط مباشرة بالتقنيات المستوردة. ويمثل هذا النهج ضمانة لتحويل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع من خلال شركات ومصانع وسلاسل إنتاج.

وعلى المستوى الاقتصادي، أشارت إلى أن التعاون المصري الصيني يتجه إلى مرحلة أوسع من مجرد التبادل التجاري، وذلك من خلال توسيع المنطقة الصناعية الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. وأوضحت أن الهدف هو تحويل المنطقة إلى قاعدة تصنيع تخدم السوق المصرية وتستهدف كذلك التوسع نحو أسواق إفريقيا وأوروبا، بما يعزز القيمة المضافة ويزيد القدرة التنافسية للصادرات.

ولفتت إلى أن إنشاء مصنع للمنسوجات والملابس الجاهزة في القنطرة غرب باستثمارات تبلغ نحو 117 مليون دولار يعد نموذجًا عمليًا لهذا التوجه، مشيرة إلى أن التوسع في قطاع التصنيع يمكن أن يدعم زيادة الإنتاج المحلي ويعزز فرص العمل، فضلًا عن رفع معدلات الصادرات المصرية بما يتوافق مع الطلب في الأسواق الإقليمية والدولية.

وشددت على أن الشراكة المصرية الصينية تحمل كذلك أبعادًا سياسية واستراتيجية، في ظل التنسيق بين البلدين بشأن عدد من القضايا الإقليمية، إلى جانب دعم التعاون الاستثماري داخل القارة الإفريقية. وأشارت إلى أن هذا التقارب يسهم في تعزيز حضور مصر والصين ويدعم الاستقرار في المنطقة، بما يتجاوز الجانب الاقتصادي ليشمل التعاون في الملفات الحساسة التي ترتبط بالأمن الإقليمي.

كما ذكرت أن توافق الرؤى بين القاهرة وبكين ينعكس في ملفات الأمن المائي المصري ومواقف الدول بشأن قضايا السيادة، إضافة إلى التعاون في الأطر الدولية والإقليمية المختلفة. وأكدت أن هذا النوع من التقارب يمكن أن يعزز مكانة مصر كمحور إقليمي، ويزيد من فاعلية الدبلوماسية المصرية في بيئات متعددة الأطراف.

وبينت كذلك أهمية البعد الثقافي والتعليمي في تعزيز العلاقات بين البلدين، موضحة أن الجامعات المصرية تعمل على توسيع الشراكات مع الجامعات الصينية في مجالات التعليم والبحث العلمي والتدريب والتأهيل. ورأت أن هذا التعاون الأكاديمي يسهم في نقل الخبرات وبناء كوادر فنية وتكنولوجية قادرة على إدارة وتشغيل المشروعات المشتركة، ويرفع من جاهزية القوى البشرية لاستيعاب التحول الصناعي والرقمي.

وتُبرز هذه الخطوات مجتمعة أن زيارة شي جين بينج لا تقتصر على توقيع وثائق، بل تمثل خارطة طريق لتطوير نماذج تعاون تربط بين التكنولوجيا والتصنيع ومخرجات التنمية، مع التركيز على بناء القدرات والأمن السيبراني وتحويل الشراكة إلى مشروعات إنتاجية مستدامة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *