أكد الشيخ محمد علي، أحد علماء الأزهر الشريف، أن إنكار عذاب القبر يُعد قولًا مخالفًا لما ورد في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، لافتًا إلى أن القرآن تضمّن نحو ثلاثين آية تتحدث عن ألوانٍ من العذاب والجزاء قبل قيام الساعة، كما ثبتت في السنة النبوية أكثر من ثلاثين حديثًا متواترًا في هذا الباب، بما يجعل الحديث عن عذاب القبر أمرًا ثابتًا عند أهل العلم.
وأوضح الشيخ أن من ينكر عذاب القبر يوصف بأنه مبتدع وضال، وأن التشكيك فيه يأتي عادةً من جهات تروج معلومات غير دقيقة أو تنتقي الروايات دون مراعاة الأسانيد، مؤكدًا أهمية الالتزام بمناهج الاستدلال المعروفة وألا يُترك الناس فريسة لما يُقال دون تحقق.
ومن أبرز الأدلة التي ساقها الشيخ قوله تعالى: «النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ»، مبينًا أن الآية تشير إلى عرض العذاب ودوامه قبل يوم القيامة، وأن ذلك يدخل ضمن ما يفهمه العلماء من حقيقة الجزاء في البرزخ.
وأضاف أن العذاب لا يقتصر على الآخرة، بل إن الظالم قد يُعاقَب على درجات متفرقة: في الدنيا، ثم في القبر، ثم في الآخرة، مستدلًا بمعنى النصوص التي تجمع بين مراحل الوعيد والعقوبة، وأن إنكار عذاب القبر لا ينسجم مع ما اتفق عليه جمهور أهل السنة.
وتطرق الشيخ في حديثه لبرنامج «علامة استفهام» الذي يقدمه الإعلامي مصعب العباسي إلى مسألة سؤال القبر، مؤكدًا أن الأنبياء والشهداء استثناهم الله من سؤال القبر باعتبارهم من خصوصياتهم الشرعية، لما ورد في الأخبار والمعاني المقررة عند أهل العلم.
وبالنسبة للغة التي يكون بها الحساب، أوضح الشيخ أن المسألة وقع فيها اختلاف بين العلماء، مشيرًا إلى أنه لا يوجد نص قطعي صريح يحدد لغة بعينها بشكل تفصيلي، وإنما وردت أقوال واجتهادات مبنية على الاستنباط وفهم العمومات. ونقل عن ابن حجر العسقلاني أن من قال إن الحساب يكون باللغة العربية استند إلى عموم الآيات والأحاديث، وإلى كون القرآن والسنة نُزلا باللغة العربية، وهو استدلال يرجحه كثير من الباحثين في هذا الباب.
وفي المقابل، ذكر الشيخ أن هناك من ذهب إلى أن الحساب قد يكون باللغة السريانية، وهي اللغة التي ارتبطت بروايات عند بعضهم بأن سيدنا آدم كان يتكلم بها، وأن اللغات انشقت منها؛ لكنه أكد أن هذا القول يُعد ضعيفًا من جهة الاحتجاج.
وختم الشيخ بأن الله تعالى سيُعلِّم العباد ما يلزمهم في الموقف الذي يكونون فيه للمحاسبة، لذلك فالمهم للمسلم ليس الانشغال بالتفاصيل الجدلية حول اللغة، بل العناية بالعمل الصالح والإكثار من الطاعة وترك المعاصي، لأن المقصود من هذه الأخبار هو التذكير والاتعاظ وحسن الاستعداد للآخرة.
كما شدد على أن الأحاديث الصحيحة والآيات المحكمة تُعدّ أساسًا لفهم مسائل الغيب، وأن الرجوع إلى العلماء الراسخين يحفظ الناس من الشبهات، ويجعلهم على بصيرة من دينهم، بعيدًا عن التهويل أو التخفيف غير المنضبط.

التعليقات