قال العقيد حاتم صابر، خبير مكافحة الإرهاب الدولي وحرب المعلومات، إن المواجهات المرتبطة بتقويض الدولة لم تعد تقتصر على الاشتباكات العسكرية المباشرة، بل تحولت بصورة متزايدة إلى أدوات غير تقليدية تستهدف الداخل، وعلى رأسها الحرب المعلوماتية والحرب النفسية. ووفقًا لرؤيته، فإن الهدف في هذه الحالات لا يكون تغيير الوقائع على الأرض بقدر ما يكون التأثير في طريقة تفسير الناس للواقع، وتوجيه مواقفهم واتجاهاتهم بما يخدم مصالح الجهة المهاجمة.
وأوضح صابر خلال حديثه في برنامج «الحياة اليوم» أن «حرب المعلومات» تقوم أساسًا على التأثير في الرأي العام عبر إعادة تشكيل المرجعيات الذهنية للأفراد. وتُنفَّذ عبر نشر رسائل ومحتوى قد يبدو—للعديد من المتلقين—موثوقًا أو منطقيًا، إلا أنه في جوهره يسعى إلى الالتفاف على التفكير النقدي. فبدلًا من الجدل حول حقيقة الأحداث، يتم دفع الجمهور إلى تبني سرديات جاهزة تقود إلى قناعات محددة مسبقًا، ما ينعكس لاحقًا على مستوى الثقة بالجهات الرسمية وقدرة الدولة على إدارة الأزمات.
وأشار إلى أن الحرب النفسية لا تنحصر في فئة بعينها، بل يمكن أن تمتد لتشمل المدنيين والعسكريين على حد سواء. وتستهدف—من خلال آليات نفسية وإعلامية—إحداث توتر مجتمعي، وخلق إحساس عام بالشك والخوف، أو تصوير المؤسسة العسكرية والأجهزة المعنية بأنها أقل جاهزية مما هي عليه فعلًا. وتحت هذا المنطق، تصبح الثقة في مصدر المعلومة مدخلًا رئيسيًا للتأثير: يتم أولًا بناء مصداقية مزعومة أو توهّم معرفة متخصصة، ثم استغلال هذا الانطباع لتقديم رسائل سلبية أو مضللة.
ومن أخطر أساليب التضليل التي لفت إليها، تقديم بعض الأشخاص أنفسهم باعتبارهم «باحثين» أو «مفكرين» في المجالات السياسية والعسكرية، مع الاستناد إلى أرقام أو حسابات أو مقتطفات تبدو علمية. ويُستخدم هذا الأسلوب لرفع درجة القبول لدى المتابعين، لأن وجود بيانات أو أرقام يخلق انطباعًا بالتحقق. لكن الهدف النهائي—بحسب ما يراه—هو التشكيك في قدرات القوات المسلحة، ومستوى الاستعداد، وكفاءة التسليح، والقدرة القتالية، بما يؤدي إلى إضعاف التماسك المعنوي للمجتمع.
وأكد صابر أن المجتمع المصري، في تقديره، يمتلك قدرة كبيرة على التوحد عند مواجهة الأخطار. لذلك فإن محاولات استهداف البنية الاجتماعية وإثارة الانقسام الداخلي تُعد أحد مسارات الحرب غير المباشرة؛ إذ تسعى الرسائل الموجهة إلى تمزيق الجسور بين أفراد المجتمع، أو تحويل القلق إلى صراع داخلي بدلًا من التعامل العقلاني مع التحديات.
وفي سياق متصل، أوضح أن تطور وسائل الاتصال جعل انتشار المعلومات والشائعات أسرع بكثير مما كان عليه في العقود الماضية. فلم يعد النشر مرتبطًا بجهات إعلامية تقليدية، بل أصبح بإمكان أي شخص إنتاج محتوى والوصول إلى أعداد كبيرة من المتابعين في وقت قصير جدًا. ومع هذا التسارع، تتعاظم أهمية الوعي الإعلامي، وضرورة التحقق من صحة الأخبار قبل تصديقها أو تداولها، خاصة في الأوقات التي ترتفع فيها حساسية الأحداث.
ولتعزيز مقاومة حرب المعلومات، شدد الخبراء عمومًا على أهمية اعتماد منهج التحقق: مثل مراجعة مصدر الخبر، والتحقق من وجود أدلة مستقلة، ومقارنة الروايات عبر أكثر من جهة موثوقة، والتنبه لمحاولات تضخيم العاطفة أو اختزال القضايا في شعارات. كذلك فإن قراءة السياق كاملة—بدلًا من الاكتفاء بمقتطفات—تحدّ من قدرة الرسائل المضللة على التأثير. وفي النهاية، فإن حماية المجتمع من التضليل لا تعتمد على الحجب وحده، بل على بناء قدرات التفكير النقدي والتثقيف الإعلامي، بما يضمن أن الرأي العام يستند إلى حقائق لا إلى شائعات أو سرديات مفبركة.

التعليقات