التخطي إلى المحتوى

قال الدكتور رمضان أبو جزر، مدير مركز بروكسل للبحوث والدراسات، إن قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) تُعد من أبرز قمم الحلف خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط بحكم ما تشهده الساحة الدولية من تحولات متسارعة، بل أيضًا نتيجة حالة التجاذب المستمرة بين واشنطن وبروكسل منذ وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السلطة. وأوضح أن هذه القمة تأتي في توقيت شديد التعقيد على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، ما يجعل نتائجها مؤثرة على مسار الشراكة عبر الأطلسي وعلى توزيع الأعباء الدفاعية بين الدول الأعضاء.

وأشار خلال لقاء مع الإعلامية منى شكر على قناة القاهرة الإخبارية، إلى أن ملف رفع الإنفاق الدفاعي يمثل أضخم الملفات التي تثقل كاهل اقتصادات دول أوروبا. فالدول الأوروبية خرجت مثقلة من آثار جائحة كورونا التي أرهقت موازناتها العامة، ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتزيد الضغوط، خصوصًا في قطاع الطاقة الذي شهد ارتفاعًا في التكاليف وانعكاسات واسعة على القدرة الشرائية والتشغيل والإنفاق الاستثماري. وأضاف أن هذه الظروف تجعل أي التزام مالي إضافي على المدى القريب موضوع جدل داخل القارة، بين من يرى أن الزيادة ضرورة لتعزيز الردع، ومن يعتبرها عبئًا غير متوازن وغير قابل للتحمل وفق الأوضاع الحالية.

وأكد الدكتور أبو جزر أن إصرار ترامب على دفع الدول الأوروبية إلى رفع مستوى إنفاقها الدفاعي لم يُقابل بتوافق كامل. فبينما استجابت بعض الدول لتوجهات واشنطن، توجد دول أخرى أبدت اعتراضًا صريحًا أو تشكيكًا في توقيت وطبيعة المطالب، ومن أبرز الأمثلة المذكورة إسبانيا. وأوضح أن طبيعة الاعتراض لا تقتصر على الجانب المالي فقط، بل تمتد أيضًا إلى آليات التنفيذ، وإلى كيفية ربط الزيادات ببرامج محددة ونتائج قابلة للقياس، فضلًا عن النظر إلى التوازن بين الإنفاق الدفاعي ومجالات حيوية أخرى داخل الموازنات.

وأضاف أن قادة الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو، وهم يتوجهون إلى القمة، أخذوا في الاعتبار شخصية الرئيس ترامب وخياراته السياسية وطريقة تعاطيه مع الملفات الدولية. وخلصت تقديراتهم، بحسب ما ذكر، إلى أن الحكمة تقتضي التركيز على المسارات التوافقية التي تقلل فرص التصعيد المباشر، وتضمن الخروج بتعهدات قابلة للحياة بدلًا من الدخول في مواجهة قد تؤدي إلى تعقيد المشهد داخل الحلف.

ولفت إلى أن الأمين العام للناتو مارك روته، الذي قام بدور الوسيط لتقريب وجهات النظر بين بروكسل وواشنطن قبل انعقاد القمة، يعمل على إنجاح الاجتماع عبر الدفع نحو معالجة ملف رفع الإنفاق الدفاعي بصورة بناءة. وبحسب طرحه، فإن الهدف هو تحويل الخلاف من مجرد صراع على نسب الزيادة إلى مقاربة تتضمن مرونة في التنفيذ، وتحديدًا أوضح لأولويات الاستثمار الدفاعي، وربط الإنفاق بقدرات حقيقية مثل تعزيز الدفاع الجوي، وتطوير جاهزية القوات، وتيرة التمويل المرتبط بالتهديدات الآنية.

وفي ضوء ذلك، تتوقع الأوساط السياسية أن تكون القمة محطة مفصلية لاختبار مدى قدرة الحلف على الحفاظ على وحدته الداخلية، وترميم مسار الشراكة مع الولايات المتحدة، وإيجاد صيغة توازن بين متطلبات الردع وحماية المصالح الاقتصادية الأوروبية. كما يُتوقع أن تتجه النقاشات إلى تحسين آليات التنسيق داخل الناتو وتقسيم الأدوار الدفاعية، بحيث لا تتحول الزيادة في الإنفاق إلى عبء سياسي فقط، بل إلى برنامج لتعزيز الأمن الجماعي بما يتناسب مع الواقع المالي والطاقة المتغير في أوروبا.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *