التخطي إلى المحتوى

تتجه أوروبا إلى تعزيز قدرتها في مجال الذكاء الاصطناعي عبر الاستثمار في الحوسبة الفائقة، بهدف تقليل الاعتماد على البنية التحتية الأجنبية في أحد أكثر القطاعات التقنية تنافسية وحساسية من ناحية الأمن والخصوصية. وتأتي هذه الخطوة ضمن مسار أوسع لبناء قدرات قارية مشتركة، ويبرز في مقدمتها مشروع الحاسوب الفائق «لومي-إيه آي» الذي تبلغ كلفته 387.8 مليون يورو (نحو 449 مليون دولار).

في التفاصيل، من المقرر إقامة الحاسوب الجديد في مدينة كاياني شمال فنلندا، حيث تتولى شركة «بول» الفرنسية بناءه. وتُعد الصفقة أكثر أهمية لارتباطها بالتطورات المؤسسية داخل فرنسا؛ إذ أصبحت «بول» مملوكة بالكامل للحكومة الفرنسية بعد استحواذ الدولة على وحدة الحوسبة المتقدمة التابعة لشركة «أتوس». وبذلك، يتحول المشروع إلى نموذج تتحكم فيه الدولة بشكل مباشر في جزء مهم من سلسلة القيمة المرتبطة بتشغيل الحوسبة المتقدمة.

# شراكة متعددة الدول لتقليل كلفة البنية التحتية
لا يقتصر «لومي-إيه آي» على مجرد إضافة حاسوب فائق إلى منظومة أوروبية قائمة، بل تُخطط الدول المشاركة لاستخدامه كبنية تحتية مشتركة تدعم احتياجات الباحثين والشركات. يشارك في تمويل المشروع ائتلاف «مصنع لومي للذكاء الاصطناعي» مع المبادرة الأوروبية للحوسبة عالية الأداء، وفق توزيع تكلفة متوازن بين الطرفين. كما تضم مجموعة الائتلاف دولًا مثل فنلندا والتشيك والدنمارك وإستونيا والنرويج وبولندا، لتكون قدرات الحاسوب متاحة للجهات البحثية والمؤسسية في دول المشاركة.

وتعكس هذه الآلية توجهًا استراتيجيًا: تجميع الموارد بدلًا من أن تتكفل كل دولة منفردة ببناء منشآت عملاقة ومكلفة. ففي مشاريع الذكاء الاصطناعي، لا تتوقف التكلفة عند شراء النظام فحسب، بل تشمل كذلك الربط بالشبكات، وتكاليف التبريد والطاقة، وتشغيل مراكز البيانات والبرمجيات الداعمة.

# قفزة في الأداء: 10 مرات مقارنة بـ «لومي» الحالي
يُتوقع أن يوفر «لومي-إيه آي» نحو 10 أضعاف قدرة الذكاء الاصطناعي التي يوفرها نظام «لومي» الحالي، إضافة إلى رفع قدرات الحوسبة عالية الأداء التقليدية بنحو يقارب الضعف. كما تشير الخطة إلى أن تشغيل الحاسوب سيكون في النصف الثاني من عام 2027، ما يجعله محطة اختبار فعلية للقدرة الأوروبية على تحويل التمويل والتعاون إلى طاقة حسابية قابلة للاستخدام في مشاريع بحثية وصناعية تنافسية.

ومن اللافت أن المشروع يحاول تحقيق توازن بين الاستقلال التكنولوجي وبين الاستفادة من خبرات شركات عالمية. فبينما ستقدم «بول» تقنيات الربط بين وحدات الحوسبة وآليات التبريد المباشر بالسوائل، يعتمد الحاسوب على مسرعات «إيه إم دي إنستينكت إم آي 430 إكس» ومعالجات من الجيل السادس من «إبيك»، وهي مكونات أمريكية. وتكمل الصورة مشاركة شركات أخرى أوروبية وأمريكية عبر مكوّنات مختلفة؛ إذ ستوفر «آي بي إم» أنظمة التخزين، بينما تتولى «نوكيا» شبكات مركز البيانات.

وبالتالي، يبدو أن هدف أوروبا ليس الاستقلال الكامل في كل مكوّن تقني، بل السعي إلى امتلاك أكبر قدر ممكن من السيطرة على عناصر محورية مثل تصميم المنظومة والربط والتبريد وإدارة مركز البيانات، مع استمرار الاعتماد على موردين خارجيين في بعض التقنيات الأكثر تقدمًا.

# لماذا فنلندا؟ كهرباء أرخص وتبريد أقل تكلفة
تُعد فنلندا موقعًا مناسبًا لمراكز الحوسبة الفائقة بسبب توفر كهرباء منخفضة الكلفة نسبيًا وانخفاض الانبعاثات، إضافة إلى مناخ بارد يساعد على تقليل نفقات تبريد منشآت الحوسبة الضخمة. كما طورت البلاد على مدار السنوات الماضية بنية تحتية جعلتها وجهة جذب متزايدة لمراكز البيانات والحوسبة الفائقة.

وعند تشغيل أنظمة بحجم «لومي-إيه آي»، يصبح عامل كفاءة الطاقة والتبريد عنصرًا حاسمًا؛ لأن التحدي لا يقتصر على استهلاك القدرة الحسابية نفسها، بل يشمل أيضًا إدارة الحرارة الناتجة عنها طوال دورة حياة التشغيل.

# ضمن استراتيجية أوروبية أوسع: من «مصانع الذكاء الاصطناعي» إلى العملاق
يأتي «لومي-إيه آي» ضمن استراتيجية أشمل للاتحاد الأوروبي لتوسيع قدراته في الذكاء الاصطناعي. فقد بدأت المبادرة الأوروبية للحوسبة عالية الأداء اختيار مواقع «مصانع الذكاء الاصطناعي» منذ نهاية 2024، ثم توسع الاختيار في 2025 مع توقيع عقود شراء الأنظمة تدريجيًا.

لكن الطموح لا يتوقف عند الحواسيب الفائقة؛ إذ تتجه الخطة نحو ما يسمى «مصانع الذكاء الاصطناعي العملاقة» ضمن برنامج تصل قيمته إلى 30 مليار يورو ويتضمن سبعة مواقع. ورغم ذلك، تواجه هذه المشاريع تحديات أكبر تتمثل في حجم الاستثمارات، ومتطلبات البنية التحتية، وإمكانية تأخير التنفيذ نتيجة تعقيد سلسلة التوريد والبناء والتشغيل.

# محاولة لتقليص الفجوة مع الشركات الأمريكية العملاقة
تأتي هذه التحركات في وقت تتسع فيه الفجوة بين حجم الاستثمارات الأوروبية وما تنفقه شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى على مراكز البيانات والقدرات الحوسبية الداعمة للذكاء الاصطناعي. لذلك، لا يُنظر إلى «لومي-إيه آي» باعتباره منافسًا مباشرًا لمجمعات الحوسبة التي تنشئها شركات عملاقة تمتلك موارد ضخمة وتشغّل قدرات واسعة على نطاق عالمي. لكن المشروع يمثل نموذجًا مختلفًا يقوم على تجميع التمويل والقدرات بين عدة دول، بما يرفع من فرص التنافسية على مستوى الأبحاث والتطوير وتطبيقات الأعمال.

# دلالة إضافية: دور الدولة في تصنيع الحواسيب المتقدمة
تمتلك ملكية الحكومة الفرنسية لشركة «بول» بعد التحول المؤسسي دلالة استراتيجية أخرى، إذ إن «بول» تُعد من الشركات الأوروبية القليلة القادرة على تصنيع الحواسيب الفائقة. وتكتسب الشركة كذلك أهمية إضافية بسبب مشاركتها في بناء أنظمة تستخدم في نمذجة الردع النووي الفرنسي، ما يعكس حساسية المشروع تقنيًا وأمنيًا.

# اختبار 2027: هل تتحول الشراكات إلى قوة حسابية نافعة؟
في النهاية، تُظهر هذه الصفقة أن أوروبا تفكر بمنطق منظومات متكاملة لدعم الباحثين والشركات في سباق الذكاء الاصطناعي، مع محاولة الاحتفاظ بجزء كبير من السيطرة على البنية التحتية داخل القارة. وبحلول النصف الثاني من 2027، سيصبح تشغيل «لومي-إيه آي» نقطة قياس حقيقية لنجاح الاستراتيجية: مدى استخدام قدرات الحاسوب فعليًا في مشاريع بحثية وصناعية، ومدى قدرته على تحويل التعاون الحكومي والاستثمارات المشتركة إلى نتائج ملموسة تنافس ما يُطرح عالميًا في مجال الحوسبة والذكاء الاصطناعي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *