أكد وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، أن ميل بعض الأشخاص—وخاصة النساء في حالات متعددة—لمشاهدة مسلسلات الجرائم والعنف لا يرتبط بالضرورة بالرغبة في الإيذاء، بل غالبًا بعوامل نفسية وسلوكية متشابكة. وأشار إلى أن الفضول هو المحرك الأول، إذ يدفع الخيال البحثي لدى المشاهد إلى الانجذاب لكل ما هو غامض ومثير، بينما تسهم بعض السمات الشخصية، ومنها الميل للبحث عن كل جديد، في زيادة الإقبال على هذا النوع من الأعمال.
وأوضح هندي في مداخلة هاتفية ببرنامج «صباح البلد» المذاع على قناة «صدى البلد» أن دراسات متعددة أشارت إلى أن متابعة مضامين الجرائم والعنف قد تكون أعلى لدى السيدات مقارنة بالرجال في بعض السياقات الإعلامية. وأرجع ذلك إلى أن مستويات اليقظة المعرفية والدفاعية قد تكون مرتفعة لدى المرأة، ما يجعلها أكثر انتباهاً للتفاصيل وربط الأحداث بالانطباعات الشخصية. وبحسب هذا التفسير، قد تتحول مشاهدة الجرائم إلى نوع من «التدريب الذهني» لاختبار السيناريوهات وفهم دوافع الأفراد، حتى وإن كانت الأحداث خيالية.
كما لفت استشاري الصحة النفسية إلى أن السيدات قد يكن أكثر قدرة على ملاحظة التفاصيل الدرامية الدقيقة داخل العمل؛ مثل التوتر التصاعدي، الإشارات غير المباشرة، أساليب التمثيل، وحتى الفروق الدقيقة في ردود الفعل. ويرتبط ذلك بانحياز عاطفي محتمل تجاه الأعمال التي تقدم تشويقًا وإثارة وتنوعًا واضحًا في الحبكة، إضافة إلى وجود عناصر جذب تسهّل الاستغراق الذهني في القصة.
ومن زاوية أخرى، أشار هندي إلى أهمية جانب التعلم من المحتوى، إذ قد تسعى بعض المشاهدات لاستخلاص العبر والدروس من الأحداث، ومحاولة فهم كيف تتحول القرارات الخاطئة إلى نتائج خطيرة. فحتى عندما تتناول المسلسلات جرائم، قد يتحول مضمونها عند البعض إلى مادة للتأمل الأخلاقي أو مراجعة السلوكيات الشخصية والحدود.
وعن الواقع الإحصائي، أشار إلى أن نسبة الجرائم في مصر انخفضت خلال عام 2025 بنسبة 14.4%، إلا أن انتشار مقاطع الجرائم المصورة على منصات التواصل الاجتماعي قد يخلق انطباعًا مضللًا عن خطورة العالم. وبيّن أن هذا قد يؤدي إلى ما يُعرف بـ«متلازمة العالم الشرير»، وهي حالة معرفية يجعل فيها الشخص العالم يبدو أكثر تهديدًا مما تشير إليه الأرقام الفعلية، بسبب كثافة المحتوى المثير الذي يتصدر التغذية الخوارزمية.
وفيما يتعلق بانتشار الأعمال التي تجسد جرائم حقيقية أو تستند إلى وقائع، أوضح أن بعض المنتجين قد يستهدفون تحقيق نجاح سريع وانتشار واسع، لأن هذا النوع عادة يجذب جمهورًا كبيرًا ويحقق معدلات مشاهدة مرتفعة. لكن هندي شدد على ضرورة مراعاة التأثيرات النفسية المحتملة، مثل زيادة القلق أو تنامي مشاعر الخوف لدى بعض الفئات، خصوصًا لدى من لديهم قابلية أعلى للتأثر بالمحتوى العنيف أو لديهم تجارب سابقة.
ولتعزيز توازن المشاهدة، اقترح استشاري الصحة النفسية أن يحرص المشاهدون على اختيار المحتوى بعناية، وتحديد مدة المشاهدة، ومراعاة حالتهم النفسية قبل التفاعل مع المضامين الصادمة. كما أوصى بأن يتذكر المشاهد الفرق بين التمثيل الدرامي والواقع، وأن لا يُبنى الحكم على العالم من خلال مقاطع مختارة أو عناوين مثيرة، لأن ذلك قد يساهم في تشوه إدراك الخطر.
في النهاية، شدد هندي على أن الإقبال على مسلسلات الجرائم والعنف قد يحمل دوافع نفسية طبيعية مثل الفضول والتشويق، وقد يرتبط أيضًا بالانتباه للتفاصيل والانحياز العاطفي واستخلاص العبر، بشرط أن يتم التعامل مع المحتوى بوعي وأن تُراعى الآثار النفسية عند تكرار التعرض أو عند الشعور بتزايد القلق.

التعليقات