التخطي إلى المحتوى

قال العميد إلياس فرحات، الخبير العسكري والاستراتيجي، إن الضربة الأمريكية على جزيرة لارك الإيرانية تمثل مؤشراً على عودة محسوبة إلى استخدام القوة العسكرية، بعد فترة اعتمدت فيها واشنطن على أدوات غير مباشرة مثل الدبلوماسية والضغط السياسي ثم العقوبات. ويرى فرحات أن الرسالة الأساسية من هذه الضربة لا تبدو سعياً لتغيير جذري في ميزان القوى، بقدر ما تعكس رغبة في كسر مسارات الردع وإرسال إنذار بأن خيارات التصعيد ما زالت متاحة إذا استمرّت التهديدات.

وأوضح أن الضربة استهدفت موقعاً للحرس الثوري الإيراني، مشيراً إلى وقوع قتلى وجرحى، بينهم مدنيون. وأضاف أن طبيعة الهدف تعكس محاولة استهداف قدرات مرتبطة بتطوير أو تشغيل منظومات مرتبطة بالتهديدات في المنطقة، مع الحفاظ على إطار “الحدود” حتى لا تتحول المواجهة إلى حرب شاملة.

وبحسب مداخلة فرحات عبر شاشة “القاهرة الإخبارية”، فإن إيران ردت بعمليات قصف طالت قاعدة الأزرق في الأردن، بينما نقلت طهران روايات مختلفة تضمنت الحديث عن استهداف طائرات. في المقابل، أعلنت عمّان اعتراض أربعة صواريخ، مؤكدة أن الإجراءات الدفاعية حالّت دون وصول أجزاء منها إلى أهدافها. وتزامن ذلك مع إعلان إيران قصف قاعدة قرب دبي، وهو ما نفته الإمارات، وهو ما يعكس، وفقاً لمحللين، طبيعة “الرسائل المتنافسة” بين الأطراف من خلال بيانات إعلامية متباينة.

ويرجح فرحات أن تظل المواجهة ضمن نطاق محدود، لأن الحسابات الاستراتيجية لدى الطرفين لا تزال تميل إلى تفادي توسيع الجبهة. فتصعيد المواجهات إلى مسرح أوسع يتطلب جاهزية عالية من جهة، وتكلفة سياسية وعسكرية كبيرة من جهة أخرى، وهو ما قد لا يكون متوافقاً مع مصالح الأطراف المختلفة، خصوصاً في ظل تأثير ذلك على حركة الملاحة الإقليمية والاستقرار الاقتصادي.

كما اعتبر فرحات أن تبرير واشنطن للضربة باعتبارها تهدف إلى منع زرع ألغام في مضيق هرمز غير مقنع بالقدر الكافي، موضحاً أن التعامل مع مثل هذا النوع من التهديدات يحتاج إجراءات مباشرة في مياه المضيق ومحيطه، بما يشمل عمليات مراقبة واستخبار بحري، وتأمين طرق الملاحة، وربما عمليات إزالة أو تعطيل قدرات مرتبطة بالتهديدات تحت إشراف قوات متخصصة في البيئة البحرية. ويرى أن الضرب في جزيرة بعيدة عن قلب المضيق يضعف منطق الربط المباشر بين الهدف المعلن وبين الوسيلة المستخدمة.

ومن أجل إثراء الصورة، يمكن القول إن هذا النوع من الضربات، حتى عندما يكون محدوداً، غالباً ما يخدم عدة أهداف في آن واحد: اختبار جاهزية الدفاعات، الضغط على قنوات القرار لدى الطرف الآخر، وإعادة رسم حدود “ما هو مسموح” داخل فضاء الصراع. كما أن تعدد الروايات حول الاستهدافات والاعتراضات (إعلانات متباينة بين الدول) يعكس صراعاً على السردية الإعلامية بقدر ما يعكس صراعاً ميدانياً، لأن التأثير النفسي والسياسي قد يساوي—أحياناً—التأثير العسكري المباشر.

وفي هذا السياق، تبدو “ساعة الصفر” كتعامل استراتيجي مع مفهوم التصعيد التدريجي: ليس بالضرورة أن تكون الضربة مؤشراً على حرب قريبة وشاملة، لكنها قد تفتح الباب لمرحلة متقلبة من الردود بالمقدار الذي يحافظ على قواعد الاشتباك دون كسرها. ويعتمد استمرار هذا النهج على عوامل عدة، أبرزها سرعة تقييم الأضرار، وطبيعة الردود القادمة، ومدى قدرة الأطراف على إبقاء المواجهة محصورة جغرافياً وموضوعياً.

ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل ستستمر واشنطن في استخدام الضربات المحدودة كأداة لفرض ردع متدرج، أم أن سلسلة الردود المتباينة قد تدفع أحد الطرفين—ولو بالحد الأدنى—إلى تغيير معادلة الرد؟ حتى الآن، يشير مجمل المؤشرات إلى أن الطرفين يفضلان تجنب توسعة الجبهة، لكن هامش الخطأ يظل كبيراً في منطقة شديدة الحساسية ترتبط مباشرة بمسارات الطاقة والملاحة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *