أعلنت وزارة السياحة والآثار عن اكتشاف أثري جديد في منطقة سقارة، جاء ليضيف تفصيلًا مهمًا إلى سجلّ مصر القديم، وذلك عبر العثور على مقبرة «سخنتيو بتاح». وقد أكد الدكتور مجدي شاكر، كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار، أن هذا الكشف—الذي تم الإعلان عنه أمس—يعكس استمرار كشف طبقات جديدة من تاريخ الدولة القديمة، وهي الحقبة التي تُعدّ من أكثر فترات الحضارة المصرية غزارةً في المعلومات حول فنون العمارة والتنظيم الإداري والطقوس الجنائزية.
وتعد سقارة واحدة من أبرز المناطق الأثرية عالميًا، إذ كانت الجبانة الخاصة بمدينة منف، ومنها استُمد—بحسب ما يذكر المؤرخون—اسم «مصر» في الذاكرة التاريخية. كما تشتهر المنطقة بكونها ضمت مراحل مبكرة من تطور العمارة الجنائزية، حيث شهدت بناء أول هرم في تاريخها المعلوم وهو «الهرم المدرج»، إضافة إلى احتضانها عشرات الأهرامات، بما في ذلك نحو 30 هرمًا، ما يجعلها بمثابة موسوعة مفتوحة لفهم التحولات التي طرأت على العمارة والديانة والمجتمع عبر العصور.
وأوضح الدكتور مجدي شاكر أن المقبرة المكتشفة تعود إلى عصر الدولة القديمة، المعروف بعصر بناة الأهرام، مشيرًا إلى أن العثور على مقبرة لرجل يحمل مكانة إدارية ودينية بارزة يعزز فهمنا لطبيعة المناصب التي ارتبطت بإدارة الوثائق والأوامر الملكية، إضافة إلى أدوار رجال الدولة داخل المنظومة الدينية المرتبطة بمعبودات بعينها.
ومن جانب آخر، قدّم الدكتور عمرو الطيبي، مدير عام منطقة آثار سقارة ورئيس البعثة الأثرية المصرية العاملة بجبانة البوباسطيون بمنطقة آثار سقارة، تفاصيل أوضح حول شخصية «سخنتيو بتاح»، مؤكدًا أنه كان من كبار رجال الدولة خلال عصر الدولة القديمة. وتكمن أهمية شخصيته—كما أوضح—في الألقاب البارزة التي حملها، والتي تعكس نفوذًا وظيفيًا واسعًا داخل جهاز الدولة، فضلًا عن مكانة دينية مرتبطة بطقوس العبادة.
وأشار الطيبي إلى أن «سخنتيو بتاح» كان مشرفًا على الوثائق الملكية وقائمًا على أسرار الأوامر الملكية، كما شغل منصب كاهن للمعبودة «معت»، رمز الحق والعدالة في مصر القديمة. إضافة إلى ذلك، ارتبطت وظيفته أيضًا بالإشراف على الكتبة، وهو ما يوضح أن دوره لم يقتصر على الجانب الإداري، بل امتد إلى منظومة التوثيق والكتابة التي كانت تُعدّ أساسًا في إدارة الحكم وتسجيل المعاملات والقرارات.
ولفت الطيبي إلى أن وظيفة الكاتب في مصر القديمة كانت من الوظائف المرموقة، ولم تكن متاحة لجميع أفراد المجتمع، ما يعني أن وجود هذه الألقاب في المقبرة المكتشفة يؤكد مكانة «سخنتيو بتاح» وموقعه داخل السلم الاجتماعي والسياسي في عصره.
ويأتي هذا الكشف ضمن سلسلة من الاكتشافات الأخيرة في جبانة البوباسطيون، إذ شدّد الطيبي على أن الإعلان الحالي يُعدّ الإعلان الثاني خلال الفترة الحالية، بعد كشف سابق تضمن العثور على 3 مقابر تعود إلى عصر الدولة الحديثة بمنطقة شرق البوباسطيون. وفي المقابل، جرى العمل الجديد في منطقة غرب البوباسطيون، بما يبرز اتساع قيمة الجبانة وتعدد طبقاتها التاريخية، ويوفر فرصة لإعادة قراءة تسلسل التحولات عبر العصور داخل المكان نفسه.
ومن أبرز ما تم رصده في المقبرة المكتشفة العثور على «الباب الوهمي» في موضعه الأصلي، وهو عنصر جنائزي أساسي كان يُستخدم—بحسب المفهوم الديني المصري القديم—كوسيط لإتاحة التواصل بين عالم الأحياء وعالم الأموات. ويظهر الباب الوهمي وقد حمل ألقاب صاحب المقبرة، إضافة إلى العثور أمامه على «مائدة قرابين» مصنوعة من حجر الألبستر، وهو ما يُعدّ مؤشرًا واضحًا على اكتمال مشهد الطقوس الجنائزية المرتبطة بالمقبرة.
كما أفاد الطيبي بأن الألقاب الخاصة بـ«سخنتيو بتاح» وُجدت كذلك على مائدة القرابين والباب الوهمي الموجود بالمقبرة، مما يساعد الباحثين على توثيق النصوص الجنائزية وربطها بالدور الوظيفي لصاحبها. وبالإضافة إلى العناصر المعمارية والطقسية، تم العثور بالقرب من المقبرة وحولها على مجموعة من آبار الدفن المهمة التي تنتمي لنفس الفترة، فضلًا عن عدد من اللقى الأثرية المميزة.
وتتضمن اللقى التي تم الكشف عنها مجموعة من تماثيل الأوشبتي المصنوعة من الفاينس، وهي تماثيل كان يُعتقد أنها تعمل بدلًا عن المتوفى في العالم الآخر عند الحاجة. كما عثر على نحو 3 توابيت حجرية مغلقة لم تمس، والتي ستبدأ البعثة في التعامل معها خلال أعمال المرحلة المقبلة ودراستها، بما يسمح بتحديد سياق الدفن وفهم طبيعة التجهيزات الجنائزية المرتبطة بالشخصية المكتشفة.
كما تضمنت الاكتشافات أوانٍ أثرية من الفخار وتماثيل أوشبتي أخرى، ما يشير إلى تنوع العناصر داخل المقبرة بين مواد متعددة ووظائف مختلفة، وهو ما يعزز قيمة الكشف علميًا. وتؤكد هذه النتائج أن منطقة سقارة لا تزال تقدم معلومات جديدة باستمرار، وأن كل موسم تنقيب يضيف “سطرًا جديدًا” إلى فهمنا لتاريخ مصر، خصوصًا في حقبة الدولة القديمة، من خلال إظهار تفاصيل دقيقة عن أفراد نافذين عاشوا في عصر بناة الأهرام.

التعليقات