أعلن رئيس قطاع الآثار بالمجلس الأعلى للآثار عن تفاصيل كشف أثري جديد تم العثور عليه في منطقة ميت رهينة، وذلك في إطار أعمال البعثة الأثرية المصرية الصينية المشتركة، والتي تعمل حاليًا ضمن نطاق معبد سخمت الواقع بالمنطقة. وأوضح أن الفريق بدأ العمل بخطوات منهجية شملت تنظيف الموقع وتوثيقه بدقة، باعتباره جزءًا من مجمع معبد بتاح الكبير، ثم توسع إلى تنفيذ حفائر في المناطق المحيطة بالمعبد بهدف فهم طبيعة الامتداد العمراني والوظيفي المرتبط بالمعبد.
وأسفرت أعمال التنقيب عن مجموعة من النتائج التي تعزز فهم تاريخ المنطقة وتطورها عبر فترات زمنية مختلفة، من أهمها بقايا مجمع سكني شُيّد من الطوب اللبن. وتشير هذه البقايا إلى وجود أنماط استيطان منتظم في محيط المعابد، وإلى أن السكان المحليين أو العاملين المرتبطين بالحياة الدينية والاقتصادية كانوا يعيشون بالقرب من المنشآت الشعائرية. كما تم العثور على كتل حجرية وأجزاء من تماثيل، وتطرح الدراسات الأولية احتمال ارتباط بعض المكتشفات بمعبد بتاح الكبير، بما يعكس الدور المحوري للمجمع المعماري في تنظيم الحياة الدينية بالمنطقة.
ومن أبرز ما تم توثيقه أيضًا اكتشاف عنصر معماري مبني من الحجر الجيري يرجح استخدامه كمعصرة للنبيذ. ويظهر تصميم المنشأة من خلال وجود حوض علوي يتجه باتجاه فتحة مركزية، مع حوض سفلي مخصص لتجميع السائل. كما لوحظت فتحات مخصصة لتثبيت أو دعم أوعية فخارية كبيرة كانت تستخدم في جمع العنب والمعالجة والتخزين، ما يدل على وجود نظام عمل متكامل لعمليات الإنتاج. وقد عززت النتائج البيولوجية هذا التفسير، إذ عثرت البعثة داخل المعصرة على بذور للعنب، وهو ما يقدّم دليلاً مباشرًا على أن الموقع كان مرتبطًا بإنتاج النبيذ أو على الأقل بمعالجات مرتبطة بعنب كان يُجمع ويُحضّر لأغراض اقتصادية.
وتتضمن المكتشفات كذلك كتلًا حجرية وأجزاء من تماثيل، يرجح أن يعود معظمها إلى عصر الدولة الحديثة، وهو ما يساعد على تأكيد استمرارية أهمية الموقع ودوره في فترات متعاقبة. فوجود عناصر تعود إلى عصر متقدم تاريخيًا يعكس أن المنطقة لم تكن مجرد محيط جغرافي للمعبد، بل كانت فضاءً حيًا يُستخدم فيه البناء والنحت والأنشطة المرتبطة بالاقتصاد والمعمار الديني.
وأشار رئيس قطاع الآثار إلى أن أعمال الحفائر والدراسة لا تزال مستمرة داخل الموقع، بهدف الكشف عن المزيد من العناصر الأثرية، وتوثيقها علميًا، ودراستها بهدف تحديد وظائفها وتحديد زمن استخدامها بدقة أكبر، مع اتخاذ إجراءات ترميم لما يلزم. كما تهدف هذه الجهود إلى إغناء الصورة التاريخية لمدينة منف القديمة، وفهم طبيعة الحياة اليومية والاقتصاد المحلي في محيط المعابد، بما ينعكس على معرفة أعمق بتاريخ المدينة السياسية والدينية والحضارية في مصر القديمة.
وتُعد منطقة ميت رهينة من أهم المواقع الأثرية في مصر، إذ كانت تمثل قلب مدينة منف القديمة، وهي مدينة لعبت دورًا بارزًا في تشكيل المشهد السياسي والديني والحضاري لمصر الفرعونية. وبفضل طبيعة الاكتشافات الحديثة التي تجمع بين العمران والسياق الديني والوظائف الاقتصادية، يتوقع أن تسهم نتائج الموسم الأثري الحالي في تقديم شواهد جديدة لفهم العلاقة بين المعابد والأنشطة المرتبطة بها وامتداداتها داخل النسيج السكاني والإنتاجي للمنطقة.

التعليقات