قال سامح لاشين، الكاتب والباحث في الشؤون الإقليمية، إن الحرب الأمريكية-الإيرانية لم تبقَ آثارها خارج ملفات السياسة الخارجية، بل امتدت إلى الداخل الأمريكي نفسه، وأثّرت في مزاج الرأي العام وفي حسابات الحزب الجمهوري. وأوضح أن ارتفاع أسعار المحروقات وتزايد معدلات التضخم انعكسا مباشرة على قدرة المواطن الأمريكي على تَحمّل أعباء اقتصادية إضافية، وهو ما انعكس بدوره على شعبية الرئيس دونالد ترامب، ورفع منسوب الانتقاد تجاه إدارة البيت الأبيض.
وأضاف لاشين أن المشهد لم يقتصر على الاقتصاد، بل اتصل أيضاً بتباين وتناقض الرسائل الرسمية حول نتائج المواجهة. فبينما تتضمن التصريحات حديثاً عن “الانتصار” وضرورة حسم الملف بسرعة، يبرز في الوقت ذاته طرح مرتبط بمضيق هرمز وتطويع مسار الحرب لاعتبارات ضغط سياسية واقتصادية، بالتزامن مع تشديد العقوبات على إيران. ورأى أن هذا التفاوت في سردية النتائج وتوقيت التصعيد قد أسهم في خلق حالة من التشوش لدى الرأي العام، كما فتح مساحة لانتقادات داخلية داخل المعسكر الجمهوري.
وأشار لاشين إلى أن إيران تُبنى حساباتها على عنصر الزمن، وتراهن على احتمال أن يفضي الضغط المتبادل إلى نتائج سياسية داخلية لصالحها، خصوصاً في حال تعرض ترامب أو الحزب الجمهوري لخيبة سياسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. في المقابل، ترى الولايات المتحدة أن الطريق الأكثر جدوى يكمن في مواصلة الضغط الاقتصادي بهدف استنزاف الداخل الإيراني ودفع طهران إلى تقديم تنازلات تتصل بمضيق هرمز، وعلى رأسها فتح المضيق دون شروط أو رسوم.
ولفت الكاتب والباحث إلى أن فعالية العقوبات الجديدة لا تتوقف على الإعلان عنها بقدر ما ترتبط بمدى التزام الدول المؤثرة التي تجمعها علاقات استراتيجية وتجارية مع إيران. وفي هذا السياق، شدد على أن استمرار التعاون الاقتصادي مع دول كبرى مثل الصين وروسيا قد يُضعف قدرة واشنطن على فرض عزل كامل لإيران. كما أن وجود مساحات للتبادل التجاري مع دول الجوار، إلى جانب شبكة العلاقات القائمة مع تركيا، يجعل مهمة عزل طهران اقتصادياً أقل سهولة مما تحاول الإدارة الأمريكية تصويره.
ومن زاوية إضافية، أوضح لاشين أن قدرة إيران على إدارة آثار العقوبات ليست حدثاً طارئاً، بل هي خبرة متراكمة، إذ تعاملت طهران على مدى سنوات مع سياسات ضغط متكررة وتعلمت طرق الالتفاف، وبناء منظومات اقتصادية بديلة أو ما يُعرف بمسارات دعم ذاتي. ووفقاً لتقييمه، تستطيع إيران تعزيز “اقتصاد موازٍ” واستثمار استمرار علاقاتها التجارية مع عدد من الدول للتخفيف من أثر القيود.
وبيّن أيضاً أن حصار الموانئ الجنوبية يُعد من أكثر الضغوط التي يمكن أن تكون موجعة لإيران، نظراً لدوره في التأثير على تدفقات التجارة والطاقة. ومع ذلك، أكد أن حسم المواجهة اقتصادياً يظل غير محسوم، لأن أدوات التكيف الإيرانية، ووجود قنوات بديلة للتعامل التجاري، قد تحد من قدرة العقوبات على تحقيق أهدافها في المدى القصير، خصوصاً إذا بقيت الشراكات الإقليمية والدولية قائمة.
وفي محصلة المشهد، يرى لاشين أن المواجهة بين واشنطن وطهران تتقدم عبر جبهتين متزامنتين: الأولى داخلية أمريكياً مرتبطة بتكلفة الحرب على الأسعار والتضخم وتماسك الخطاب السياسي حول النتائج؛ والثانية اقتصادية تستهدف إيران عبر العقوبات. لكن استمرار العلاقات التجارية لإيران مع شركاء رئيسيين، إلى جانب مرونة طهران في إدارة القيود، قد يحول دون تحقيق عزل اقتصادي كامل، بما يعني أن مسار الضغط سيصطدم بتعقيدات تتجاوز مجرد تطبيق عقوبات جديدة.

التعليقات