أكد الدكتور عبدالغني هندي، أحد علماء الأزهر الشريف، أن بناء المجتمعات لا ينطلق من القوانين وحدها ولا من الشعارات العابرة، بل يبدأ من الإنسان ذاته؛ من قلبه الذي يتشكل بالإيمان، ومن سلوكه الذي يترجم هذا الإيمان إلى معاملة عادلة ورحمة حقيقية. وأوضح أن إصلاح القلب وتهذيب الأخلاق هما المدخل الأصيل لأي نهضة اجتماعية تقوم على الاستقرار والتراحم، لأن المجتمع في جوهره نتاج تفاعل أفراده، وتفاعلهم لا تحكمه العناوين بل ما يحملونه من قيم.
سيرة النبي صلى الله عليه وسلم كنموذج لبناء الإنسان
وأشار عبدالغني هندي خلال حديثه في برنامج «خط أحمر» على قناة «الحدث اليوم» إلى أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تقدم نموذجًا متكاملًا لتكوين الإنسان وصناعة شخصيته الأخلاقية؛ فهي لا تركز على شكل التدين بقدر ما تؤسس لمعنى الرحمة واللين والعدل في التعامل اليومي. واعتبر أن الاحتياج إلى هذا المنهج ليس مرتبطًا بزمان بعينه أو مناسبة محددة، بل هو حاجة مستمرة لأن الإنسان يتغير سلوكه بتغير ما يترسخ في داخله من قيم.
قيم إيمانية لا تُختزل في منفعة متبادلة
وبيّن أن القيم التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم تنبع من إيمان عميق، وليست مجرد قواعد ظاهرية للتعامل تتحكم فيها المصالح أو المنفعة المتبادلة. ومن بين هذه القيم، تأتي الرحمة في الصدارة، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن». كما أشار إلى أن الرحمة ليست ترفًا أخلاقيًا، بل هي مبدأ ينعكس على الأسرة والشارع والعمل والمدرسة، ويقلل أسباب النزاع ويقوي روابط المجتمع.
التدين الحقيقي: ظاهرٌ يتبعه أثر
وشدد عالم الأزهر على أن تدين الإنسان لا يُقاس بالمظاهر وحدها، مثل كثرة المظاهر التعبدية أو الشعارات الاجتماعية دون أثر، وإنما بما يظهر على تصرفاته: كيف يتعامل مع والديه وأسرته، وكيف يتواصل مع جيرانه، وكيف يحفظ الحقوق، وكيف يضبط انفعالاته عند الخلافات. فإصلاح الظاهر دون إصلاح القلب لا يحقق مقصود الدين، لأن الدين يستهدف تهذيب النفس وصناعة الأخلاق قبل أن يكون شكلًا خارجيًا.
استعادة منظومة القيم في الحياة اليومية
وأضاف أن معالجة مشكلات المجتمع تتطلب استعادة منظومة القيم التي تُطبق عمليًا في الحياة اليومية، وعلى رأسها الرحمة والصدق والإخلاص والإحسان. ولفت إلى أن المشكلة ليست في غياب الكلام عن القيم، بل في ضعف تحويلها إلى سلوك حقيقي؛ فالشعارات وحدها قد ترفع الوعي مؤقتًا، لكنها لا تغيّر الواقع ما لم تتحول إلى ممارسات مستمرة في التعاملات.
مراقبة الله كمعيار داخلي للسلوك
ودعا عبدالغني هندي إلى مراجعة النفس باستمرار، والتأمل في مدى تأثير الإيمان على طريقة تصرف الفرد في علاقاته، وفي قدرته على ضبط لسانه وقراراته وأفعاله. ورأى أن استشعار مراقبة الله يجب أن يكون حاضرًا في كل قول وفعل، لأنه يجعل الإنسان أكثر اتزانًا حتى في غياب الرقابة البشرية.
الإحسان كطريق حياة يبدأ من علاقة الإنسان بربه
وختم حديثه بأن الإحسان ينبغي أن يتحول إلى أسلوب حياة: يبدأ بعلاقة الإنسان بربه، ثم ينعكس على أسرته، وبعد ذلك يمتد إلى المجتمع بكل فئاته. وأكد أن إصلاح الفرد هو الخطوة الأولى نحو إصلاح المجتمع؛ فإذا صلحت القلوب تحسنت الأخلاق، وإذا تحسنت الأخلاق قلّت المشكلات وزادت فرص التراحم والتعاون، ليصبح المجتمع أقرب إلى نموذج السيرة النبوية في الرحمة والعدل وحسن التعامل.
ومع توسع التحديات المعاصرة وتغير أنماط العلاقات، تبقى الرسالة الأساسية ثابتة: لا معنى لدين بلا أثر، ولا مجتمع بلا قيم يعيشها الناس في تفاصيل يومهم.

التعليقات