التخطي إلى المحتوى

تؤكد منظومة التأمين ضد الأخطاء والمخاطر الطبية دورها في موازنة العلاقة داخل المنظومة الصحية بين حق المريض في التعويض، وحق الطبيب في حماية عادلة داخل إطار قانوني واضح، خصوصًا مع بدء تفعيل قانون المسؤولية الطبية. فبدل أن تتحول حالات النزاع إلى مسارات غير منضبطة أو إلى ضغوط خارج الإطار النظامي، يأتي التأمين كحل تنظيمي يحدد القواعد ويمد جسراً بين إجراءات المحاسبة الطبية وضمان حصول المتضرر على تعويض.

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور خالد أمين، الأمين المساعد لنقابة الأطباء، أن التأمين لا يُقصد به حماية الطبيب وحده فقط، بل يهدف أيضاً إلى إنهاء الممارسات التي قد تحدث خارج نطاق القانون، مثل المساومات والابتزاز، عبر توفير تعويض عادل للمريض المتضرر وفق ضوابط واضحة. كما شدد على أن إدخال الصندوق الحكومي للتأمين ضد الأخطار الناجمة عن الأخطاء الطبية ضمن منظومة هيئة الرقابة المالية يمثل خطوة استكمال لتطبيق قانون المسؤولية الطبية، وهو ما يتوافق مع مطالب النقابة منذ سنوات.

ومن بين أهم ما ركزت عليه النقابة عند تصميم آليات التأمين تحديد أن تكون الاشتراكات مناسبة لحجم المخاطر المرتبطة بالممارسة الطبية، وبما لا يضع عبئاً غير متوازن على الأطباء. وأشار الدكتور خالد أمين إلى أن القيم المالية للاشتراك تم تحديدها من خلال مجلس إدارة الصندوق، وكانت النقابة ممثلة فيه لضمان مراعاة الاعتبارات المتعلقة بالمخاطر وطبيعة العمل الطبي. كما لفت إلى أن القيمة الحالية للاشتراكات تمثل “أقصى ما يمكن الوصول إليه” في المرحلة الحالية، مع التطلع إلى توسع الصندوق وإجراء دراسات اكتوارية ودعم إضافي للموارد من أجل تعزيز التمويل وزيادة استدامته.

ويعد إلزام الطبيب بالاشتراك في صندوق التأمين كشرط لمزاولة المهنة وتجديد الترخيص جزءاً من منطق المنظومة الجديدة، بحسب ما ذكره الدكتور خالد أمين، إذ ترى النقابة أن هذا الشرط يساهم في تقليل أعباء كانت تقع على عاتق الطبيب في السابق. ومن تلك الأعباء المساومات خارج الإطار القانوني، ومحاولات الابتزاز الناتجة عن تعقيد المسار القضائي، فضلاً عن غياب شركات تأمين أو صناديق مخاطر متخصصة بالدرجة الكافية.

كما استندت النقابة إلى نماذج دولية تعتمد التأمين كشرط عملي للحصول على الترخيص، حيث لا يستطيع كثير من الأطباء هناك مزاولة المهنة دون الاشتراك لدى جهات تأمين خاصة أو حكومية. وفي الوقت ذاته، عبّر الدكتور خالد أمين عن أمل النقابة بأن تتحمل جهات العمل في الفترة المقبلة اشتراكات العاملين لديها في صندوق المخاطر وشركات التأمين، خصوصاً في ظل توقعات العاملين بتحسينات وامتيازات مادية متزامنة، بما يساعد على تقليل مخاوف عدم الثقة التي قد تنشأ عندما تظهر اشتراكات جديدة.

وبالنسبة لتوقيت التنفيذ، أوضح الدكتور خالد أمين أن قانون المسؤولية الطبية بدأ تطبيقه منذ أكتوبر من العام الماضي، بينما يمثل انضمام الصندوق إلى منظومة هيئة الرقابة المالية إحدى بدايات تفعيل منظومة التأمين ضد المخاطر. وأكد أن التطبيق الفعلي للقانون ساهم في زيادة اطمئنان الأطباء إلى الإجراءات القانونية، إذ انتقل عدد من الأطباء من مرحلة الخوف من القانون إلى مرحلة تقبل مساره باعتباره أكثر عدالة وطمأنينة، بل إن بعضهم بات يطلب الاحتكام إلى قانون المسؤولية الطبية عند التعامل مع الجهات القضائية مثل النيابات والمحاكم.

ولضمان اكتمال المنظومة وتحسين فعاليتها، شدد الدكتور خالد أمين على أن هناك خطوات لازمة لاستكمال البنية التنظيمية للتأمين، ومنها تفعيل لجان المسؤولية الطبية في المحافظات وتحديد أماكنها بشكل واضح، إلى جانب وضع لوائح أكثر تفصيلاً وإيضاحاً لطريقة عمل الصندوق، وتوسيع قاعدة التأمين، مع توضيح الشرائح بشكل يساعد على تقديم مزيد من الطمأنينة للأطباء. كما يُتوقع أن يسهم وضوح الآليات وتحديد الاختصاصات في تسريع معالجة الشكاوى الطبية وتقليل احتمالات التعنت أو النزاعات الممتدة.

وفي المحصلة، تأتي منظومة التأمين ضد الأخطاء الطبية كحل يوازن بين مصلحتين أساسيتين: حماية المريض وضمان حقه في التعويض وفق ضوابط قانونية، وفي المقابل حماية الطبيب من الضغوط والاتهامات غير المنضبطة عبر إطار تأميني ورقابي يحدد المسؤوليات ويضبط مسار معالجة المخاطر الطبية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *