التخطي إلى المحتوى

تسعى مصر إلى تعزيز إنتاج المحاصيل الاستراتيجية وتقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، ويأتي القمح في مقدمة هذه المحاصيل باعتباره عنصرًا محوريًا للأمن الغذائي. ولتحقيق الاكتفاء الذاتي بصورة فعلية، لا يقتصر الأمر على زيادة المساحات أو رفع الأرقام الإنتاجية فقط، بل يحتاج إلى تطوير شامل في الممارسات الزراعية، وتحسين جودة الإنتاج، فضلًا عن ترشيد الاستهلاك والحد من الهدر.

تطوير طرق الزراعة واستنباط أصناف جديدة
في هذا الإطار، يعمل مركز البحوث الزراعية على تطوير أساليب الزراعة واستنباط أصناف وسلالات من القمح تحقق إنتاجية أعلى وتتمتع بقدرة أكبر على مقاومة الأمراض والآفات. ويؤكد المختصون أن الوصول إلى الاكتفاء الذاتي لا يتحقق بمجرد زيادة حجم الزراعة، بل يتطلب أيضًا تغيير بعض الممارسات مثل مواعيد الزراعة المناسبة، وتحسين إدارة التسميد والري، ورفع كفاءة العمليات الزراعية بما ينعكس على ثبات الإنتاج وجودته.

ومن أهم أهداف برامج البحث العلمي في مجال القمح الوصول إلى أصناف تتحمل الظروف المتغيرة وتقاوم الآفات، مع التركيز كذلك على تعزيز الاستقرار الإنتاجي وتقليل خسائر المزارعين. كما تشمل الاستراتيجيات تحسين كفاءة استخدام المدخلات الزراعية، بما في ذلك تقليل الهدر في مياه الري وتوجيه الأسمدة بصورة أدق.

«المصاطب».. طريقة ترفع إنتاجية القمح 30%
من بين التقنيات الزراعية التي تتوسع الجهات البحثية في نشرها بين المزارعين، تأتي طريقة «المصاطب». ووفق التصريحات، فإن هذه الطريقة تسهم في رفع إنتاجية فدان القمح بنحو 30%، إلى جانب تقليل كميات مياه الري المستخدمة وتحسين جودة المحصول.

وتكتسب طريقة «المصاطب» أهمية خاصة في ظل التحديات المرتبطة بموارد المياه وتذبذب الإنتاج الزراعي نتيجة تغيرات المناخ. كما أنها تميل إلى المساعدة في تحسين توزيع الرطوبة داخل الحقل، وتقليل آثار الجفاف أو سوء إدارة المياه، بما ينعكس على نمو نباتات القمح وكفاءة استفادتها من العناصر الغذائية.

أصناف جديدة بوقت أقل وإنتاجية أعلى
في جانب آخر، تكشف جهود الباحثين عن تطور واضح في برامج استنباط أصناف القمح المصرية. فبدلًا من أن يستغرق إنتاج صنف جديد نحو 12 عامًا، أصبحت الفترة الزمنية حاليًا في نطاق 6 إلى 8 سنوات، وذلك بفضل تطور أساليب البحث والتربية الزراعية.

ويركز العمل على الوصول إلى أصناف عالية الإنتاجية، مع مقاومة الأمراض والآفات، بما يساهم في زيادة الإنتاج المحلي وتحسين كفاءة زراعة القمح. كما تتيح سرعة تطوير الأصناف استجابة أسرع للتحديات الزراعية، مثل انتشار أمراض معينة أو الحاجة إلى أصناف أكثر ملاءمة لطبيعة التربة أو أنماط المناخ.

زيادة الإنتاج وحدها لا تحقق الاكتفاء الذاتي
رغم أهمية رفع إنتاج القمح، يشدد المختصون على أن الزيادة وحدها ليست كافية لتحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل. ويرجع ذلك إلى أن المعادلة الحقيقية تعتمد أيضًا على ترشيد الاستهلاك وتقليل الفاقد.

فمتوسط استهلاك المواطن المصري من القمح يتجاوز 175 كيلوجرامًا سنويًا، بينما يبلغ المتوسط العالمي نحو 80 كيلوجرامًا فقط. وهذا الفارق الكبير يجعل تحدي القمح مزدوجًا: من جهة زيادة الإنتاج، ومن جهة أخرى خفض معدلات الاستهلاك والهدر.

المعادلة الكاملة: إنتاج أكثر واستهلاك أقل
يرى المختصون أن تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل يتطلب الجمع بين محورين متوازيين. المحور الأول هو رفع الإنتاجية عبر الاعتماد على تقنيات زراعية حديثة، وتحسين إدارة الري والتسميد، واستنباط أصناف أكثر إنتاجية ومقاومة للأمراض. والمحور الثاني هو تقليل الاستهلاك والهدر، من خلال تحسين أساليب الاستخدام الرشيد وتقليل الفاقد في مراحل التخزين والنقل والإنتاج الغذائي.

وتتطلب خطط ترشيد الاستهلاك أيضًا رفع الوعي لدى المستهلكين حول أهمية تقليل الهدر الغذائي، وتشجيع الاستخدام الأمثل لمنتجات القمح بدلًا من الإفراط أو التخلص غير المبرر من كميات صالحة للاستهلاك.

خفض معدلات الاستهلاك وتقليل الفاقد
تؤدي خفض معدلات الاستهلاك وتقليل الفاقد من القمح ومنتجاته إلى تقليص الاحتياجات المحلية، وبالتالي تضييق الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك. وكلما كانت إجراءات تقليل الهدر أكثر انتظامًا وفاعلية، انعكس ذلك مباشرة على قدرة الدولة على تأمين احتياجات المواطنين من هذا المحصول الاستراتيجي.

وفي النهاية، فإن تكامل الإجراءات—من تطوير الزراعة واستنباط الأصناف ورفع إنتاجية الفدان، إلى ترشيد الاستهلاك وتقليل الهدر—يمثل الطريق الأكثر فاعلية نحو تعزيز الأمن الغذائي وتحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل من القمح.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *