التخطي إلى المحتوى

أكدت لينا الخطيب، الباحثة والمحللة في شؤون الشرق الأوسط، أن إيران تعمل على توسيع نفوذها الإقليمي عبر أدوات متعددة، أبرزها دعم حلفائها ووكلائها السياسيين والعسكريين داخل دول المنطقة. وأشارت إلى أن هذا التوجه لا يقتصر على المجال العسكري، بل يمتد أيضًا إلى التأثير في المشهد السياسي وخلق مسارات نفوذ متشابكة مع قضايا الأمن الإقليمي والاقتصاد المحلي والتحالفات الداخلية للدول المعنية.

وفي حديثها خلال لقاء مع برنامج “الحكاية” عبر فضائية “ام بي سي مصر”، قالت لينا الخطيب إن لبنان يُعد من أبرز الساحات التي تتجسد فيها هذه المقاربة الإيرانية. ولفتت إلى أن وجود حزب الله كلاعب مركزي في المعادلة السياسية والأمنية اللبنانية يمنح طهران تأثيرًا غير مباشر في القرار داخل البلاد، سواء عبر تحالفاته السياسية أو عبر دوره الأمني والعسكري الذي ينعكس على توازنات القوى.

ورغم ذلك، شددت المحللة على أن الكثير من المراقبين لا يرون أن النفوذ الإيراني يصل إلى مستوى “السيطرة الكاملة” على المشهد اللبناني. فلبنان، بطبيعته السياسية الطائفية وبنيته التوافقية، يشهد توازنات دقيقة بين القوى المختلفة والمؤسسات الدستورية، ما يجعل من الصعب على أي طرف—مهما كان وزنه—فرض إرادة مطلقة على القرار السياسي. كما أن الضغوط الداخلية والخارجية وتداخل المصالح الإقليمية والدولية تؤثر جميعها في حدود التأثير لأي لاعب.

الملف النووي وتداخل الاعتبارات مع النفوذ الإقليمي

وأضافت لينا الخطيب أن سياسات الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه إيران تُبنى على عدة محددات متداخلة، في مقدمتها الملف النووي الإيراني وما يرتبط به من مخاطر محتملة على منظومة الأمن الإقليمي والدولي. وترى أن هذا الملف يُعامل عادة باعتباره محورًا رئيسيًا في تحديد مستوى الردع والخيارات السياسية والعسكرية، لكنه لا يعمل وحده.

وبيّنت أن عنصر النفوذ الإقليمي لطهران يمثل عاملًا موازياً، إذ تنظر واشنطن وتل أبيب إلى توسع الحضور الإيراني بوصفه تهديدًا لميزان القوى في المنطقة، وتمددًا قد يفضي إلى إضعاف قدرة الخصوم الإقليميين على حماية مصالحهم أو الرد بسرعة على الأزمات. لذلك، غالبًا ما تُربط الملفات: النووية والإقليمية، بشكل متبادل في الحسابات الاستراتيجية.

ومن زاوية الأمن الإسرائيلي تحديدًا، أشارت الخبيرة إلى أن أمن إسرائيل يُعد عاملًا مهمًا في صياغة تلك السياسات، إلا أنه يظل ضمن حزمة أوسع تشمل أيضًا اعتبارات سياسية ودبلوماسية، وحسابات الردع، ومقاربة إدارة الأزمات، وإمكانيات الضغط عبر أدوات اقتصادية أو سياسية. كما قد تتأثر القرارات بمستويات التهديد الآنية، وبقدرة الخصوم على التحشيد، وبالبيئة الإقليمية السائدة ومدى استعداد دول المنطقة للتعاون أو الاصطفاف.

تفاصيل إضافية: كيف يترجم النفوذ إلى تأثير فعلي؟

ولكي يكتسب النفوذ الإقليمي طابعًا ملموسًا، عادة ما تتحول العلاقات والحلفيات إلى تأثير على الأرض عبر ثلاث مسارات رئيسية: أولًا، الدعم السياسي عبر التحالفات داخل المؤسسات، بما يتيح التأثير في اتجاهات تشكيل الحكومات أو القرارات ذات الصلة بالأمن والعلاقات الخارجية. ثانيًا، الدعم العسكري أو شبه العسكري الذي قد ينعكس على ميزان الردع والأمن الداخلي، وبالتالي على قدرة الدولة على إدارة الأزمات. ثالثًا، توسيع شبكات النفوذ عبر قنوات اقتصادية واجتماعية وإعلامية، بما يسهم في خلق بيئات مواتية للحلفاء وتعزيز نفوذهم.

وتُظهر الحالة اللبنانية، بحسب ما يوحي به هذا الطرح، أن التأثير غير المباشر قد يكون حاضرًا بقوة دون أن يعني ذلك غياب التوازنات الداخلية أو تلاشي دور القوى الأخرى. فحتى عند وجود لاعب مؤثر، تظل القرارات رهينة بتعقيدات الواقع اللبناني، وبالعوامل الداخلية والخارجية، وبإيقاع الأزمات الإقليمية التي تغيّر أحيانًا أولويات الأطراف كافة.

في المحصلة، توضح رؤية لينا الخطيب أن إيران تسعى إلى تعزيز نفوذها من خلال أدوات متعددة ومتدرجة، وأن لبنان يمثل ساحة بارزة لهذا التأثير غير المباشر، بينما يبقى الملف النووي عاملًا حاسمًا في كيفية تعامل الولايات المتحدة وإسرائيل مع طهران، إلى جانب اعتبارات الأمن والتوازنات الإقليمية الأوسع.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *