التخطي إلى المحتوى

كشفت دراسة حديثة نُشرت نتائجها في مجلة “Science Advances” أن بعض الميكروبات الأرضية ربما تستطيع البقاء على سطح القمر القاسي، ولو لفترات طويلة وبشكلٍ محدود، وذلك عبر الدخول في حالة “سبات خفي” لا تنشط فيها الميكروبات ولا تنمو إلا عند توافر ظروف أكثر ملاءمة. وقد دفعت هذه النتائج العلماء إلى إعادة تقييم الافتراضات السابقة التي كانت ترجّح عدم قدرة الكائنات الدقيقة على تحمل بيئة القمر، خصوصًا بسبب الأشعة فوق البنفسجية الشديدة ودرجات الحرارة المتطرفة.

وتشير الأدلة الجديدة إلى أن سطح القمر ليس كتلة واحدة “لا رحمة فيها”، بل يمكن أن توجد فيه تضاريس تمنح حماية جزئية من الإشعاع والحرارة. فالتلال والوديان قد تعمل كحواجز طبيعية تقلل تعرض الميكروبات المباشرة للأشعة، وتخلق بيئات دقيقة تختلف فيها شدة الضوء ودرجات الحرارة عن المناطق الأكثر انكشافًا.

أهمية المناطق القطبية: ظل دائم واحتمالات لجليد
وبحسب ما ورد في تقارير صحفية علمية، فإن الأهمية الأكبر لهذه الحماية قد تظهر خصوصًا قرب قطبي القمر. في تلك المناطق لا ترتفع الشمس كثيرًا في السماء، ما يؤدي إلى وجود مناطق مظللة لفترات طويلة—قد تصل إلى حد شبه الديمومة—وتُحتمل بداخلها ظروف تساعد على بقاء الجليد أو مواد ثلجية. ومع أن الجليد لا يعني بالضرورة وجود حياة فعّالة، إلا أنه قد يوفّر بيئة باردة معزولة تقلل الضرر الإشعاعي وتحد من تبخر الماء أو تحلل الخلايا.

كواليس التجربة: ما الذي اختبره الباحثون؟
في الدراسة، قام الباحثون بدراسة ثلاث سلالات بكتيرية ونوعين من الفطريات، وهي كائنات دقيقة معروفة بقدرتها على التحمل في ظروف قاسية للغاية مرتبطة بالرحلات الفضائية. وقد تناولت الحسابات والتحليلات السابقة بالفعل جانبًا من تحمل هذه الكائنات لعوامل مثل الفراغ، والبرد، ووجود جسيمات عالية الطاقة—وهي عناصر تعتبر بالغة الصعوبة بالنسبة لمعظم الكائنات.

ولتعزيز الفهم، قارن العلماء بين بيانات الاستجابة السابقة لهذه الكائنات لظروف الفضاء القاسية وبين خرائط قمرية تُظهر توزيعات الأشعة فوق البنفسجية ودرجات الحرارة على سطح القمر. وبناءً على هذا التقاطع بين “التحمل البيولوجي” و”الواقع الجغرافي” للبيئة القمرية، خلص الباحثون إلى أن قطبي القمر قد يحتضنان مناطق أكثر احتمالًا لبقاء الميكروبات—حتى لو كانت تحت ظروف لا تسمح بالحركة والنمو المستمر.

فكرة “السبات الخفي”: لماذا لا يعني البقاء حياة نشطة؟
يرتبط “السبات الخفي” بقدرة بعض الكائنات على تعليق نشاطها الحيوي والتموضع في حالة شبيهة بالتجمّد البيولوجي. في هذه المرحلة قد تبقى الخلايا حيّة ولكن غير قادرة على النمو أو التكاثر. وتتحسن احتمالات “الإنعاش” فقط عندما تتحقق شروط معينة، مثل انخفاض الضرر الإشعاعي أو توفر رطوبة مجهرية مرتبطة بالجليد أو بعمليات تكثف محلية—ولو بشكل متقطع.

وقد لا تحتاج هذه الكائنات إلى مأوى كبير؛ إذ إن مجرد تواجدها في أثر بسيط أو داخل مناطق ظلية صغيرة قد يكفي لتقليل شدة الإشعاع الذي يسبب تراكم الضرر في المادة الوراثية والإنزيمات. ويؤكد برابال ساكسينا، عالم الكواكب في مركز جودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا والذي شارك في إعداد الدراسة، أن حتى أثر حذاء أو مسار مركبة جوالة قد يهيّئ منطقة أكثر ملاءمة للسكن مقارنة بالمناطق المفتوحة.

لماذا يهمّ هذا الاكتشاف؟ آثار علمية وبيئية وتخطيط للبعثات
يمتلك هذا البحث أهمية تتجاوز الفضول العلمي، إذ إنه يسلط الضوء على قضية “التلوث بالعودة” أو “تلوث الأمكنة” خلال استكشاف القمر. فلو كانت بعض الميكروبات يمكن أن تعيش في مناطق محددة حتى في حالة سبات، فقد تكون للبعثات القادمة حاجة أكبر إلى إجراءات صارمة لمنع نقل كائنات دقيقة من الأرض إلى القمر، أو العكس عند محاولة جمع عينات.

كما يفتح البحث بابًا لتطوير استراتيجيات علمية أكثر دقة لاختيار مواقع الهبوط والحفر. فبدلًا من التركيز على التضاريس الأكثر استواءً فقط، قد يصبح من الضروري مراعاة “المناطق الدقيقة” التي قد تكون أكثر ظلًا أو أبرد، وتحديدًا حيث تقل المخاطر الحيوية أو تزيد احتمالات بقاء الجليد.

وعلى المستوى البحثي، قد تستفيد الدراسات المستقبلية من تصميم تجارب محكمة تحاكي التغيرات اليومية والسنوية لدرجات الحرارة وتعرض الأشعة، وتختبر قدرة الكائنات على استعادة النشاط عندما تتوفر شروط مواتية—بدلًا من افتراض بقائها في حالة سكون دائم.

في النهاية، لا توحي النتائج بأن الحياة القمرية قد تكون مزدهرة أو نشطة كما على الأرض، لكنها تقدم تصورًا واقعيًا لاحتمال وجود “بصمات حياة مجهرية” يمكن أن تبقى محمية داخل تضاريس معينة، خاصة عند قطبي القمر، حيث قد تتجمع الظروف الداعمة على شكل ظلٍ طويل وحرارة منخفضة وإمكانية وجود جليد أو مواد ثلجية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *